الألباب المغربية/ عبد العزيز الخطابي
في البحث التاريخي. لا تُقاس قيمة الفكرة بجرأتها.. بل بقوة الأدلة التي تستند إليها. فالتاريخ ليس ميدانًا للرغبات ولا مساحة لإعادة تشكيل الماضي وفق قناعات شخصية، وإنما علم تحكمه الوثيقة واللقى الأثرية والتحليل المقارن والنقد الأكاديمي.
ومن هذا المنطلق.. يثار بين الحين والآخر نقاش حول أصل صناعة الفخار بمدينة آسفي، حيث يذهب بعض الباحثين إلى ربطها بهجرات قديمة من حضارة كوش النوبية، غير أن هذا الطرح مهما كانت قيمته البحثية.. يبقى في حدود الفرضية ما لم تدعمه أدلة أثرية ووثائق تاريخية قاطعة.
إن الفرق بين الفرضية والحقيقة هو جوهر المنهج العلمي، فالفرضية تمثل احتمالًا يفسر ظاهرة معينة. أما الحقيقة التاريخية فلا تُبنى إلا بعد تراكم الأدلة وتوافق نتائج البحث الأثري والنصي، ومن ثم، فإن تقديم أي فرضية على أنها حقيقة نهائية يُعد تجاوزًا للمنهج العلمي.
أما المعطيات المتوفرة حتى اليوم.. فتشير إلى أن صناعة الفخار في منطقة آسفي تمتد إلى عصور قديمة ارتبطت بالمجتمعات المحلية الأمازيغية التي عرفت استعمال الطين وصناعة الأواني قبل تعاقب الحضارات المتوسطية على الساحل الأطلسي. كما أن المدينة تأثرت لاحقًا بالفينيقيين، ثم بالرومان، ثم بالهجرات الأندلسية التي أسهمت في تطوير تقنيات الخزف والتزجيج.. وهو ما يفسر ازدهار الصناعة في شكلها المعروف اليوم.
وفي المقابل، لا توجد حتى الآن أدلة أثرية منشورة تثبت وجود انتقال مباشر لصناعة الفخار من حضارة كوش إلى آسفي ولا اكتشافات تؤكد هجرة جماعات كوشية استقرت بالمنطقة وأسست هذا التقليد الصناعي. وإذا ظهرت مستقبلاً اكتشافات جديدة تثبت ذلك.. فإن الباحثين سيعيدون قراءة التاريخ وفق تلك الأدلة، لأن العلم لا يخشى مراجعة نتائجه.
إن الدفاع عن التاريخ الأمازيغي لا يكون برفض كل فرضية جديدة، كما أن البحث العلمي لا يبرر تحويل الفرضيات إلى حقائق.. فالحضارة الأمازيغية تمتلك رصيدًا أثريًا وثقافيًا غنيًا لا يحتاج إلى إضافات غير مثبتة ولا إلى انتقاص من دورها التاريخي.
ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس الدخول في سجالات شخصية.. بل تشجيع المزيد من الحفريات الأثرية، والدراسات المخبرية والمقارنات العلمية التي يمكن أن تقدم إجابات أكثر دقة حول نشأة صناعة الفخار بآسفي.. فالتاريخ لا يُحسم بالصوت الأعلى.. بل بالدليل الأقوى.
إن احترام المنهج العلمي يقتضي أن نفرق دائمًا بين ما هو فرضية قابلة للنقاش. وما هو حقيقة تاريخية مثبتة، فالأمم التي تحترم تاريخها لا تكتبه بالرغبات، وإنما بالوثائق ولا تبني هويتها على التأويل.. بل على البرهان.