الألباب المغربية/ أحمد زعيم – إيطاليا
أعادت وفاة المواطن المغربي عبد الرحيم فقير، المولود سنة 1983، بمدينة بولونيا الإيطالية، فتح نقاش واسع حول حدود إستعمال القوة أثناء عمليات التوقيف، وواجب السلطات في حماية حياة الأشخاص الموجودين تحت سيطرتها، كما أعادت إلى الواجهة ملف حماية المغاربة المقيمين بالخارج في ظل تنامي الخطابات والسياسات المتشددة تجاه المهاجرين والأجانب في عدد من الدول الأوروبية.
وتوفي فقير، الذي كان يبلغ 42 عاما، وفق عدد من التقارير الإعلامية، خلال أواخر صباح يوم الأحد 19 يوليوز 2026، بحي بيلسترو (Pilastro) بمدينة بولونيا، أثناء تدخل أمني لتوقيفه.
وتداولت وسائل إعلام إيطالية ودولية مقاطع فيديو توثق لحظات من عملية التوقيف، يظهر فيها المواطن المغربي ممددا على الأرض وتحت سيطرة عناصر الشرطة، فيما كان يطلب النجدة والمساعدة، قبل أن تتوقف حركته. وقد أثارت هذه المشاهد ردود فعل واسعة، بالنظر إلى كونها توثق لحظات إنسانية بالغة الحساسية وتطرح أسئلة جدية حول كيفية تدبير عملية التوقيف، ومدى إحترام الضوابط القانونية والإنسانية المرتبطة بإستعمال القوة ومراقبة الحالة الصحية للشخص الموقوف.
ووفق ما أوردته تقارير إعلامية، فقد تدخلت الشرطة عقب بلاغات بشأن وضعية استدعت تدخلها، قبل أن يتم تثبيت المواطن المغربي وتقييده، مع إستعمال رذاذ مهيج، فيما تواصل السلطات المختصة التحقيق في ملابسات الوفاة، بما في ذلك تحديد السبب الطبي الدقيق والمسؤوليات المحتملة.
وبينما لا تزال التحقيقات جارية، ولا يجوز إصدار حكم مسبق بشأن المسؤولية الجنائية، فإن الفيديو المتداول يفرض، في المقابل، طرح أسئلة حقوقية ومهنية مشروعة، من بينها: هل جرى التعامل مع إنسان كان في وضعية تستدعي المساعدة والرعاية بما يكفي من العناية؟ وهل كانت القوة المستعملة متناسبة مع ظروف التدخل؟ وهل تم إتخاذ التدابير اللازمة لحماية حياته بعد تقييده وتثبيته؟
وهي أسئلة لا يمكن الإجابة عنها إلا من خلال تحقيق مستقل وشفاف، يستند إلى الأدلة الطبية والتقنية وشهادات الشهود، ويحدد بدقة تسلسل الأحداث، ومدى إحترام قواعد التوقيف وإستعمال القوة، وما إذا كان قد تم تقديم المساعدة اللازمة في الوقت المناسب.
وتعيد هذه الواقعة، في الوقت نفسه، إلى الواجهة المخاوف التي يعبر عنها عدد من أفراد الجالية المغربية بالخارج بشأن ما يعتبرونه تنامي مظاهر التشدد في التعامل مع المهاجرين والأجانب، في سياق سياسي أوروبي تشهد فيه بعض الدول صعود تيارات وحكومات تتبنى خطابات أكثر صرامة تجاه الهجرة واللجوء، وهو ما يجعل حماية الحقوق الأساسية للمهاجرين موضوعا يتجاوز الحالات الفردية ليصبح قضية حقوقية وإنسانية عامة.
ومن داخل المغرب وخارجه، تتجدد المطالب الموجهة إلى الحكومة المغربية ووزارة الشؤون الخارجية والمؤسسات المعنية من أجل إعتماد مقاربة أكثر فعالية في الدفاع عن حقوق المواطنين المغاربة عبر العالم، والتحرك الدبلوماسي والقانوني في كل قضية تتعلق بوفاة أو إعتداء أو معاملة قد تنطوي على إنتهاك محتمل لحقوق مواطن مغربي خارج أرض الوطن.
فمغاربة العالم ليسوا مجرد أرقام في الإحصائيات أو مصدر للتحويلات المالية، بل مواطنون مغاربة تظل الدولة مطالبة بالدفاع عن حقوقهم ومصالحهم، في إطار القانون الدولي والإتفاقيات الثنائية ومتعددة الأطراف، مع إحترام سيادة الدول المضيفة وإستقلال مؤسساتها القضائية.
ولا يتعلق الأمر بالتدخل في عمل القضاء أو بإدانة مؤسسات أجنبية قبل إنتهاء التحقيق، بل بالمطالبة بضمان الشفافية، والإنصاف، وكشف الحقيقة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أيا كانت صفته أو موقعه.
إن قضية المواطن المغربي الذي فارق الحياة أثناء عملية توقيف في بولونيا لا ينبغي أن تنتهي بإنتهاء التداول الإعلامي لمقطع الفيديو. فالمطلوب هو معرفة الحقيقة كاملة، وضمان حقوق عائلته، ومتابعة التحقيقات بما يكفل العدالة، وفي الوقت نفسه إستخلاص الدروس الضرورية لتعزيز آليات حماية المغاربة المقيمين بالخارج.
فكرامة المواطن المغربي وحقه في الحياة والسلامة الجسدية لا تتوقف عند الحدود، وحماية مغاربة العالم ليست إمتيازا، بل مسؤولية وطنية وحقوقية تقتضي حضورا دبلوماسيا ومؤسساتيا أكثر فعالية كلما تعرض أحد المواطنين المغاربة لإنتهاك محتمل لحقوقه في أي مكان من العالم.