الألباب المغربية/ زينب دياني
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، يعود النقاش السياسي والمجتمعي حول الانتخابات إلى الواجهة، ليس فقط باعتبارها محطة دستورية عادية، وإنما باعتبارها لحظة سياسية ينتظر منها المواطنون إفراز مؤسسات أكثر تمثيلية وفاعلية وقدرة على الاستجابة لانتظارات المجتمع.
فالانتخابات المقبلة تأتي في ظل تعديلات جديدة همت الإطار القانوني المؤطر للعملية الانتخابية، وهو ما يطرح سؤالاً أساسياً: هل نحن أمام انتخابات مختلفة فعلاً، أم أن الجديد سيبقى محصوراً في النصوص والقوانين بينما تستمر بعض الممارسات القديمة؟
ما الجديد في انتخابات 2026؟
لا يمكن الحديث عن استحقاقات 2026 دون التوقف عند التعديلات التي عرفتها المنظومة الانتخابية. فقد تم اعتماد قوانين جديدة شملت تنظيم انتخابات مجلس النواب والأحزاب السياسية واللوائح الانتخابية، مع إجراءات تستهدف تعزيز الشفافية وتخليق العملية الانتخابية وضبط الترشيحات وتمويل الحملات.
ومن بين الملفات التي تحظى باهتمام خاص مسألة تمويل الحملات الانتخابية ومراقبة الحسابات، إلى جانب تدابير مرتبطة بتنظيم عملية التصويت ومكاتب الاقتراع. كما تستمر مسألة تعزيز حضور النساء داخل المؤسسة التشريعية في صلب النقاش الانتخابي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل يكفي تغيير القانون لتغيير الواقع؟
فالقاعدة القانونية، مهما بلغت دقتها، تحتاج إلى تطبيق صارم ومتساوٍ على الجميع، وإلى وعي سياسي وأخلاقي لدى الأحزاب والمرشحين والناخبين على حد سواء.
هل ستكون الانتخابات “صارمة”؟
ربما يكون هذا أحد أهم الأسئلة التي سترافق الحملة الانتخابية المقبلة.
فالصراحة تقتضي القول إن صرامة الانتخابات لا تقاس فقط بعدد القوانين والعقوبات، وإنما بمدى قدرة المؤسسات المكلفة بالإشراف والمراقبة على تطبيق القانون دون تمييز، وبمدى احترام المرشحين للقواعد، وبقدرة الناخب نفسه على رفض شراء الأصوات واستعمال المال أو النفوذ للتأثير في اختيارات المواطنين.
وقد نبهت قراءات قانونية وأكاديمية حديثة إلى أن تشديد النصوص الزجرية وحده لا يكفي لمحاربة الاختلالات الانتخابية، ما لم يواكبه إصلاح أعمق للحياة السياسية وتعزيز الثقة في المؤسسات.
وهنا تبرز مسؤولية الجميع: الإدارة، والأحزاب، والمرشحون، والمجتمع المدني، والإعلام، وأساساً المواطن.
وماذا عن نزاهة الاقتراع؟
السؤال عن نزاهة الانتخابات ليس تشكيكاً في العملية الانتخابية، بل هو سؤال مشروع في كل ديمقراطية.
والنزاهة لا تبدأ يوم الاقتراع فقط، بل تبدأ منذ اختيار المرشحين، مروراً بالحملة الانتخابية، ووصولاً إلى يوم التصويت وإعلان النتائج.
فهل ستتكافأ الفرص بين المرشحين؟
وهل ستتم مواجهة استعمال المال والنفوذ بالصرامة نفسها في جميع الدوائر؟
وهل سيتمكن المواطن من اختيار مرشحه بحرية، بعيداً عن كل أشكال الضغط أو الإغراء؟
وهل ستلتزم وسائل الإعلام بالتعددية والحياد وتوفير المعلومات الكافية للناخب حتى يصوت عن وعي؟
هذه الأسئلة ستظل مطروحة إلى أن تجيب عنها الممارسة على أرض الواقع.
وقد بدأت بالفعل الاستعدادات المتعلقة بالتغطية الإعلامية للانتخابات، بما في ذلك العمل على ضمان تعددية وموثوقية الإعلام الانتخابي خلال الحملة.
وماذا عن المواطن؟
ربما يكون السؤال الأكبر هو: هل سيعود المواطن إلى صناديق الاقتراع بثقة أكبر؟
فنجاح الانتخابات لا يقاس فقط بنجاح الإدارة في تنظيمها، وإنما كذلك بنسبة المشاركة وبمدى شعور المواطن بأن صوته قادر على إحداث فرق.
إن العزوف الانتخابي، حين يتحول إلى ظاهرة، لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره عدم اهتمام بالسياسة، بل قد يكون في جزء منه تعبيراً عن فقدان الثقة أو الشعور بأن نتائج الانتخابات لا تنعكس بما يكفي على الحياة اليومية للمواطن.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام الأحزاب لا يكمن فقط في الفوز بالمقاعد، وإنما في استعادة ثقة الناخب، وتقديم برامج واقعية، ووجوه قادرة على التواصل مع المواطنين بعيداً عن الخطاب الموسمي الذي يظهر مع اقتراب موعد الاقتراع.
انتخابات مختلفة أم تكرار للماضي؟
لا أحد يستطيع اليوم أن يجزم بشكل قاطع كيف ستكون نتائج انتخابات 23 شتنبر، ولا يمكن كذلك إصدار حكم مسبق على نزاهتها قبل إجرائها.
لكن المؤكد أن انتخابات 2026 تحمل رهانات كبيرة، ليس فقط على مستوى تركيبة مجلس النواب والحكومة المقبلة، وإنما على مستوى الثقة في المؤسسات السياسية والمسار الديمقراطي برمته.
فالقوانين الجديدة تفتح الباب أمام ممارسة انتخابية أكثر تنظيماً وشفافية، لكن نجاحها الحقيقي سيُقاس بمدى تطبيقها على أرض الواقع، وبقدرة مختلف المتدخلين على احترام روح القانون وليس فقط نصه.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي سيحسمه يوم الاقتراع هو:
هل ستكون انتخابات 2026 مجرد محطة انتخابية أخرى، أم ستكون فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات؟
الإجابة لن تكتبها القوانين وحدها، ولن تحددها خطابات الأحزاب، وإنما سيكتبها المواطن داخل صندوق الاقتراع، وستثبتها الممارسة السياسية بعد إعلان النتائج.