الألباب المغربية/ زينب دياني
في الوقت الذي يستمتع فيه الكثيرون بأجواء الصيف ودفء المدينة، يخرج عمال النظافة بمدينة بني ملال في ساعات مبكرة لمباشرة مهامهم اليومية، في ظروف مهنية ليست بالهينة، واضعين نصب أعينهم هدفاً واحداً: الحفاظ على نظافة المدينة وجمالية أحيائها.
فمهنة عامل النظافة ليست مجرد كنس وجمع للنفايات، بل هي عمل شاق ومتواصل، يتطلب مجهوداً بدنياً كبيراً، ويزداد صعوبة خلال فصل الصيف، حيث ارتفاع درجات الحرارة وانتشار الروائح المنبعثة من النفايات، فضلاً عن التعامل المباشر مع مخلفات قد تشكل مخاطر صحية ومهنية.
وتأتي هذه الإكراهات في وقت يشهد فيه قطاع النظافة بمدينة بني ملال نقاشاً متواصلاً حول جودة الخدمات وظروف اشتغال العاملين بها. فقد عادت وضعية عمال النظافة إلى واجهة النقاش المؤسساتي خلال الدورة الاستثنائية لمجلس جماعة بني ملال المنعقدة يوم 24 غشت الجاري، والتي خصص جانب منها لمناقشة الملف المطلبي لهذه الفئة.
ولا يخفى أن تحسين خدمات النظافة لا يمكن أن ينفصل عن تحسين ظروف العاملين في هذا القطاع، باعتبارهم الحلقة الأساسية في سلسلة تدبير النفايات. فالعامل الذي يقضي ساعات طويلة في الشوارع والأزقة، تحت أشعة الشمس وفي مواجهة الأوساخ والروائح، يحتاج قبل كل شيء إلى ظروف عمل تحمي كرامته وصحته وتضمن له وسائل الحماية اللازمة.
وخلال فصل الصيف تحديداً، تصبح المهمة أكثر إرهاقاً، إذ تتحول النفايات العضوية إلى مصدر للروائح القوية والعصارة، فيما يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى تسريع عملية التحلل، الأمر الذي يجعل عملية الجمع والرفع أكثر صعوبة. وقد سبق أن أثارت بعض التقارير المحلية ببني ملال موضوع تراكم النفايات وانبعاث الروائح وعصارة الأزبال، وما لذلك من انعكاسات على الساكنة والبيئة.
وفي المقابل، يظل عامل النظافة في الغالب بعيداً عن الأضواء، لا يتذكره المواطن إلا عندما تتراكم النفايات أو تتراجع جودة الخدمات، بينما تمر مجهوداته اليومية في صمت. وهنا تطرح أسئلة مشروعة حول ضرورة توفير ظروف مهنية وإنسانية أفضل، من معدات الحماية الفردية، ووسائل العمل الملائمة، إلى العناية بالصحة والسلامة المهنية والاستقرار الاجتماعي.
كما أن النقاش حول مستقبل قطاع النظافة ببني ملال لا يرتبط بالخدمة فقط، وإنما يرتبط أيضاً بمصير مئات العمال وأسرهم، وهو ما يجعل أي تغيير في طريقة تدبير القطاع مطالباً باستحضار البعد الاجتماعي إلى جانب البعد التقني والمالي.
ومن بين الملفات التي سبق أن طُرحت أيضاً ضرورة إعادة النظر في أسطول الشاحنات وآليات الكنس، وتفعيل لجان الصحة والسلامة، وتمكين العمال من بعض حقوقهم المهنية والاجتماعية، وهي مطالب تعكس حجم الإكراهات التي تواجه هذه الفئة.
إن مدينة بني ملال، التي تسعى إلى تعزيز جاذبيتها وجودة فضاءاتها العمومية، تحتاج إلى قطاع نظافة قوي وفعال، لكن هذا القطاع لن يكون في مستوى تطلعات الساكنة إلا إذا كان العاملون فيه يحظون بدورهم بالعناية والتقدير.
فخلف كل شارع نظيف، هناك عامل استيقظ باكراً، وخلف كل حاوية تم تفريغها، هناك جهد وتعب وربما مخاطر لا يراها المواطن.
عمال النظافة ليسوا مجرد جزء من المشهد اليومي للمدينة، بل هم من يحافظون على وجهها الجميل. وإنصافهم وتحسين ظروف عملهم ليس امتيازاً، وإنما هو استثمار في صحة المدينة وكرامة الإنسان وجودة الحياة.
ويبقى الأمل معقوداً على أن يفضي النقاش المؤسساتي الجاري إلى حلول عملية وملموسة، تضمن استمرارية مرفق النظافة، وتحسن جودة خدماته، وفي الوقت نفسه تصون حقوق وكرامة العاملات والعمال الذين يشتغلون في صمت من أجل مدينة أنظف وأجمل.
الصورة المقترحة للمقال: عامل نظافة أثناء أداء عمله في الشارع، وهي مناسبة لإبراز الجانب الإنساني والميداني للموضوع. الصورة أعلاه توضيحية وليست بالضرورة ملتقطة في مدينة بني ملال.