الألباب المغربية/ محمد خلاف
إنني حين أكتب هذه الكلمات، لا أخطُّ حبراً على ورق، بل أفرغُ ما تراكم في الروح من خيباتٍ علمتني أن “الزينة” ليست في القشور، فقد رأينا كيف تسقط الأقنعة عند أول مفترق طرق، وكيف يتبخر بريق الجمال الظاهري حين تشتدُّ رياح الواقع، لذا فإنني أعلنها صراحة: أنا لا تغريني الوجوه التي لا يسكن خلفها موقف. والفرق هنا بين “المرأة الزينة” و”المرأة الموقف” كالفرق بين السراب والماء؛ فالأولى تمنحك شعوراً مؤقتاً بالارتواء، لكن الثانية هي النبع الذي لا ينضب، وهي التي تدرك أن الحب ليس “نزهة” في حديقة، بل هو “ثبات” في وجه العاصفة، فلا تسألك “ماذا تملك؟” حين تضيق بك السبل، بل تهمس في أذنك: “أنا هنا، فماذا سيهزمنا ؟”.
ولطالما آمنتُ بأن التجاعيد التي قد ترتسم على وجهِ امرأةٍ صمدت بجانب رجلها، هي أجمل من كل مساحيق التجميل في العالم؛ لأنها ببساطة “خريطة وفاء” وروح تمتلك كاريزما المبدأ، لا تبيع قناعاتها مقابل إطراءٍ عابر، ولا تتنازل عن كبريائها لتلائم موجة العصر. إننا في نهاية المطاف، لا نتذكر اليد التي صفقت لنا في لحظات انتصارنا، بل نقدس اليد التي تمسكت بنا ونحن في قاع الهاوية، وفي هذا العالم الذي حول المشاعر إلى بضاعة، والوفاء إلى عملة نادرة، يبدو انحيازي لـ “المرأة الموقف” هو انحيازٌ للفطرة السليمة، وللإنسانية في أبهى تجلياتها، فهي التي تجعلك تشعر بأن الرجولة ليست في السيطرة، بل في أن تكون جديراً بحماية قلبٍ بهذا النبل، وهي التي تذكرك – كلما نسيت- بأن الجوهر هو الحقيقة الوحيدة، وما دونه مجرد تفاصيل ستذروها الرياح.
وفي صخب هذا العصر الذي بات يقيس كل شيء بالمادة، ويختزل الجمال في بريق فستان أو لذة عابرة، يرتفع صوتُ الوعي ليعلن فصلاً جديداً من فصول العشق؛ عشقٌ لا يسكن في الأطراف، بل يتخذ من القلب حصناً ومن المبادئ بوصلة. إننا لا نبحث عن شريكة تملأ الفراغ المكاني حولنا، بل عمن تملأ الفراغ الوجداني فينا، فالحاجة الحقيقية ليست لجسد يرضي شهوة، بل لكيان يروي عطش الأيام القاسية. تلك التي حين تبتسم، لا تبتسم بفتنة الثغر، بل بفتنة الصمود؛ فتجعل من الحياة – رغم مرارتها- قصيدةً تستحق أن تُقرأ، ولوحةً تستحق أن تُعاش، لأن “الموقف” هو الخالد بينما يذبل الجسد وتبهت الألوان.
وحين نقول “نحارب بها الدنيا”، فنحن لا نتحدث عن صراعات السلاح، بل عن ذاك السند الذي لا يميل حين يميل كل شيء، هي شريكةُ الخندق، لا شريكةُ الفندق؛ تعرف متى تمسك بيدك لتعيدك إلى توازنك، وتدرك أن الحب الحقيقي هو أن تكونا جبهة واحدة ضد تقلبات القدر. وفي زمنٍ صار فيه التلون مهارة، والنفاق ذكاءً، تبرز الحاجة إلى تلك الروح التي تدرك أن “المعدن الأصيل” لا يصدأ، وأن الشرف في الكلمة، والصدق في الموقف، والوفاء عهدٌ غليظ لا ينقضه زوال نعمة أو حلول نقمة. هي التي ترى فيك المبادئ قبل أن ترى فيك المظاهر، وتعي تماماً أن الناس قد تتبدل جلودهم، لكن المرء الأصيل يبقى وفياً لنوره الداخلي. هذا هو الأمر باختصار؛ بحثٌ عن “إنسانة” قبل كل شيء، عن قلبٍ يفهم لغة الصمت قبل لغة الكلام، وعن عقلٍ يقدس المبادئ في زمن الماديات، فنحن لا نبحث عمن تزيدنا تعبًا، بل عمن تجعلنا نحب الحياة “رغم كل شيء”.. لأنها ببساطة، هي “كل شيء”.