الألباب المغربية/ حسام بوزكارن
تظهر أزمة اليقين العقلي في التراث الفلسفي حين يتحول العقل من أداة لإنتاج المعرفة إلى موضوع للارتياب ذاته، في هذه الحالة فالوسيلة التي يفترض ان تمنح للفرد الثقة بالحقيقة تصبح ذاتها هذه الوسيلة موضع تساؤل لهذا لفرد. هذا ما عرضه أبو حامد الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة، أبو حامد الغزالي اتجه في كتابه مباشرة نحو فحص الأساس الذي تبنى عليه المعرفة نفسها. فالعقل عنده ليس سلطة مطلقة تملك القدرة على إدراك الحقيقة إدراكا كاملا، لأن أدوات الإدراك معرضة للقصور والخداع، سواء تعلق الأمر بالحواس أو بالأحكام العقلية التي تتولد عنها.
تناول الكتاب تجربة رينيه ديكارت، فديكارت انطلق من ملاحظة اضطراب المعرفة الحسية، إذ رأى أن الأشياء تتغير صورها تبعا للمسافة أو زاوية النظر، وأن الإنسان قد يعتقد بصحة ما يراه ثم يكتشف خطأه لاحقا، هنا بدأ الشك عند ديكارت في قدرة الحواس على تقديم معرفة يقينية، غير أن الشك لم يتوقف عنده في حدود الإدراك الخارجي، فقد امتد إلى التجربة الداخلية نفسها، حين لاحظ أن الإنسان قد يشعر بألم في عضو مبتور لا وجود له في الواقع، أي أن الإحساس لا يضمن مطابقة الإدراك للحقيقة وأن الوعي الإنساني قد ينتج صورا لا تستند إلى وجود فعلي.
الغزالي يلتقي مع هذا المسار الفكري في إدراكه أن الثقة المطلقة بالحواس تؤدي إلى الوهم المعرفي، لأن الحواس تمنح الإنسان أحكاما يظنها يقينية ثم يتبين فسادها. لذلك نشأت عنده أزمة معرفية تتجاوز الخطأ الجزئي إلى التساؤل عن أصل اليقين نفسه. فإذا كانت الحواس قابلة للخداع، وكان العقل يعتمد عليها في بناء كثير من أحكامه فإن المعرفة كلها تصبح معرضة للاضطراب.
أما في مقاربة بتراند راسل، والذي افترض إمكانية ان يكون العالم بأسره شبيها بحلم طويل، هذا الافتراض يطرح إشكالية عن معيار التمييز بين الحقيقة والوهم، فإذا كان الإنسان أثناء الحلم يعتقد بواقعية ما يراه احتمال ان تكون التجربة اليومية خاضعة للالتباس نفسه، هذا التصور يقترب كثيرا من تساؤلات الغزالي حول حدود الإدراك العقلي لأن كليهما ينطلق من فكرة أن الشعور باليقين لا يكفي لإثبات الحقيقة.
أما ويليام هاملتون فقد نقل الإشكال إلى مستوى أكثر تعقيدا، خاصة حين ناقش العلاقة بين الفكر والوجود، فالمعضلة عنده تتعلق باستحالة التحقق من مطابقة الإدراك للواقع الخارجي، أي أن الإنسان يدرك الأشياء عبر قواه العقلية، لكنه لا يستطيع الخروج من هذه القوى لكي يختبر صدقها من خارجها وبهذا يصبح العقل نفسه محاصرا داخل أدواته الخاصة وعاجزا عن الوصول إلى يقين مطلق يشأن طبيعة الواقع.
يتضح لي من هذا كله أن الغزالي لم يكن معزولا عن الإشكالات الكبرى التي شغلت الفكر الفلسفي الحديث، فقد أدرك الغزالي مبكرا أن المعرفة الإنسانية تواجه حدودا لا يمكن تجاوزها، غير أن أهمية تجربته تكمن في تحويل الشك إلى وسيلة للكشف عن طبيعة العقل وحدوده، فالعقل عنده قادر على الفهم والتحليل لكنه يظل محتاجا إلى معيار أعلى يخرجه من دائرة الارتياب.