الألباب المغربية/ الأستاذ محمد خلاف
وجّه “صويلح” لزوجته تحذيراً شديد اللهجة، معاتباً إياها على ترك طفليهما يلعبان في أزقة الحي دون رقابة أو توجيه. لم تأخذ الزوجة كلامه بجدية، حتى حلّ ذلك اليوم العصيب؛ حين ألفت ابنتها الصغيرة تركض هائمة حافية القدمين كباقي أطفال الحي، بينما عثرت على ابنها مكبلاً قرب قناة للري، وقد خُضبت رجلاه بالحناء ورُبطتا بأعواد من القصب تشبه تلك التي تُستعمل كجبيرة للكسور. لم يجد صويلح تفسيراً منطقياً لهذا المشهد الغريب سوى ما ردده بعض نسوة الحي المتقدمات في السن، واللواتي كن يجهزن مغزلاً تقليدياً؛ إذ أرجعن الأمر إلى طقوس السحر والشعوذة. تملكه غضب عارم ورغبة جامحة في الانتقام وهو على حافة الجنون، ودون أن يوجه اتهاماً صريحاً لأحد، أبصر دجاجة تحوم قرب طفله، فاستشاط غيظاً واستل ساطوراً ليشطرها نصفين، ليجد نفسه فجأة متابعاً بتهمة القتل العمد.
عاش صويلح بعدها أياماً عصيبة يستحضر تاريخاً منكسراً، متوارياً عن الأنظار في منزل غير مكتمل البناء بالحي المجاوز، إلى أن مرّ بمحاذاته موكب زفاف بهيج على متن مقطورة يجرها تراكتور أزرق من نوع “فورد”، فتسلل إليه خفية. هناك، بهرته زينة النساء ومفاتنهن، وانفتحت مخيلته على عوالم من التدفق الروحي والوجداني الغريب. استمرت الرحلة حتى ولج الموكب زقاقاً ضيقاً، حيث خرج من بيت عتيق مغنٍ شعبي معروف يحمل كمنجته ويشدو بأغنيته الشهيرة “عطيني الفيزا والباسبور”. وفي الصباح الباكر، استيقظ صويلح مذعوراً على صرير بابه المتهالك، مصحوباً بأصوات الدراجات وصليل المعاول والفؤوس والمجارف التي يحملها رفاقه في العمل، عمال الخرسانة المتخصصون في بناء الأسقف (“مالين الضالة”). حكى لهم كابوسه، فوقعوا في حيرة بين تصديق هذا الحلم المخيف وتكذيبه، متأرجحين بين الوعي واللاوعي، وبين الخيال والواقع.
عندما عاد إلى بيته مساءً منهك القوى، قصّ الرؤيا على زوجته طالباً تفسيراً، لكنها بادرت بصب جام غضبها عليه، معاتبة إياه على تأخره المستمر ليلاً، ومبدية شكوكاً حول أموال طائلة يتوهم أنها تضيع في دروب مجهولة، بينما يقضي هو نصف ليله في دكان الحي يمارس القمار ويدخن المخدرات. ثم أردفت قائلة إن تفسير حلمه واقعي وجلي: فقنينات الغاز في البيت فارغة، وعدادات الماء والكهرباء مهددة بالقطع، وصاحب البيت يطالب بواجب كراء ثلاثة أشهر متأخرة، والثلاجة خاوية تماماً إلا من قنينات ماء وبقايا خميرة وبعض الأدوية منتهية الصلاحية.
أما عندما لجأ إلى أمه وحكى لها الكابوس، فقد لمست رأسه بحنان دافق، مستحضرة بمرارة زمن التين والزيتون والسنوات الخوالي، وحلمها القديم بأن يولد لها ابن ينشد “سقف بيتي حديد وركن بيتي من حجر”. أبدت الأم قلقها من شحوب جسده وضغفه رغم بنيته القوية، وطلبت منه الاقتراب لتشم رائحة فمه ظناً منها أنه مخمور، ثم فتشت جيوبه بحثاً عن حشيش أو غليون، فلم تجد سوى علبة تبغ تقليدي (“طابا”) ومنديلاً متسخاً. وسألته عن وجبة عشاء الليلة الماضية، فأجابها بأنه تناول وجبة “لوبيا” مليئة بقديد العيد، فضحكت بعفوية وتجربة السنين قائلة: “لقد كنت تهذي فقط يا بني، أصلح الله حالك وحال زوجتك التي تطعمك اللوبيا ليلاً، وهي تعلم أنك ستقوم اليوم ببناء سقفين إسمنتيين خرسانيين”.
أحيا كلام الأم في نفس صويلح فسحة من الأمل، ومسح عن قلبه غبار اليأس. جلس وحيداً يوقد غليونه ويعد لفافة تبغه، محاولاً الربط بين تفسيرات كابوسه ودعاء غريب سمعه ذلك اليوم من عابر سبيل قال له: “الله يعطيك ما تتمناه زوجتك، وحفظك الله مما تخاف منه أمك”. وهو الدعاء الذي شرحه له فقيه المسجد لاحقاً، موضحاً أنه حين يغيب عن البيت ليلاً، تظن الزوجة واهمة أنه ينعم بالراحة والملذات رفقة الأصدقاء، بينما ينفطر قلب الأم خوفاً عليه من حوادث السير، أو الموت، أو الاعتقال، أو المرض، مبيتة ليلتها في قلق وتيه وشجن. ففهم صويلح أبعاد التفسيرين من أعماق ذاكرته، ورغم أن الأمور قد تختلط عليه مجدداً ليرتشف ابتسامات حزينة كالعادة بعد أن سُرقت منه البهجة، فإنه أصرّ على تدخين سيجارته الصباحية بنكهة متجددة من الأمل.