الألباب المغربية/ عبد العزيز الخطابي
لو عاد كارل ماركس إلى الحياة اليوم.. فربما كان سيضطر إلى مراجعة عبارته الشهيرة. لم يعد السؤال: هل الدين أفيون الشعوب ؟ بل أصبح السؤال الأكثر إزعاجًا: هل تحولت السياسة نفسها إلى الأفيون الجديد؟ وهل أصبحت الأحزاب في كثير من الأحيان مصانع متخصصة في إنتاج الوهم أكثر من إنتاج الحلول؟
كل خمس سنوات، يُعاد عرض المسرحية نفسها.. تتغير الوجوه وتتبدل الشعارات. وتتجدد الصور المعلقة على الجدران، لكن النص لا يتغير. البطل يعد بمحاربة الفساد ثم يكتشف بعد وصوله إلى السلطة.. أن الفساد أعقد مما كان يتصور. والمعارضة تقسم بأنها ستقلب الطاولة، لكنها ما إن تصبح جزءًا منها حتى تكتشف أن الطاولة مريحة.
السياسة، في أصلها، فن إدارة المصالح العامة. أما عندما تتحول إلى صناعة للشعارات، فإنها تصبح مجرد تجارة في الأمل والتاجر لا يبيع الحقيقة ؟ بل يبيع ما يرغب الزبون في سماعه.
المواطن يدخل موسم الانتخابات كما يدخل الطفل متجرًا للألعاب، يرى الألوان ويسمع الموسيقى ويصدق الوعود، وما إن تنتهي المناسبة حتى يكتشف أن اللعبة كانت من ورق وأن الواقع أكثر صلابة من الخطب.
كم مرة سمع الناس كلمات مثل: الإصلاح، الكرامة، العدالة، التنمية، دولة المؤسسات.. ربط المسؤولية بالمحاسبة ؟ كلمات جميلة لكنها تفقد بريقها عندما تتكرر أكثر مما تتحول إلى نتائج يلمسها الناس في حياتهم اليومية.
المشكلة ليست في وجود الأحزاب، فالمجتمعات الديمقراطية تحتاج إلى التعددية والتنافس.. المشكلة تبدأ عندما يصبح الحزب غاية في ذاته لا وسيلة لخدمة المجتمع؟ وعندما تتحول المنافسة إلى صراع على المواقع بدل أن تكون تنافسًا على الأفكار.
ولذلك ليس غريبًا أن تتراجع الثقة في السياسة لدى كثير من المواطنين، فالثقة لا تُطلب بالخطب بل تُكتسب بالإنجاز وتُصان بالمحاسبة وتضيع عندما يشعر الناس أن المسافة بين الوعود والواقع تزداد اتساعًا عامًا بعد عام.
وفي الوقت نفسه، يجد المواطن نفسه أمام مساحة أخرى مليئة بالانفعال: كرة القدم. لا مشكلة في عشق الرياضة.. فهي جزء من الثقافة الإنسانية، لكن المشكلة تظهر عندما تصبح نتائج المباريات حديث المجتمع كله.. بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بالتعليم والصحة والاقتصاد والعدالة إلى الهامش.
وحين يصبح الجدل حول هدف في الدقيقة التسعين أوسع من الجدل حول إصلاح مدرسة أو مستشفى.. فمن الطبيعي أن يتساءل البعض: هل نحن نعيش السياسة أم نعيش بدائل عنها ؟
المواطن ليس بحاجة إلى خطيب جديد ولا إلى منقذ جديد ولا إلى بطل جديد، إنه بحاجة إلى مؤسسات قوية وقوانين تُطبق على الجميع وشفافية تجعل كل مسؤول يدرك أن المنصب تكليف لا تشريف وأن الرقابة ليست عدوًا.. بل شرطًا من شروط الثقة.
الديمقراطية ليست صندوقًا يوضع في الساحة كل بضع سنوات.. ثم يُعاد إلى المخزن حتى موعد الانتخابات التالية. الديمقراطية ثقافة مساءلة وحق في المعرفة ومشاركة مستمرة وصحافة حرة وقضاء مستقل ومواطن لا يخاف من طرح الأسئلة.
إن أخطر أنواع التخدير ليس ذلك الذي يفقد الإنسان وعيه لساعات، بل ذلك الذي يجعله يعتاد على الأزمات حتى يظن أنها قدر لا يمكن تغييره وعندما يقتنع المواطن بأن لا شيء سيتغير.. يكون التخدير قد بلغ ذروته.
ويبقى السؤال الذي لا ينبغي أن يغيب: هل تحتاج أوطاننا إلى المزيد من الشعارات أم إلى المزيد من الصدق؟ وهل المشكلة في كثرة الأحزاب أم في غياب ثقافة المحاسبة والشفافية؟ وهل الديمقراطية تُقاس بعدد اللافتات الانتخابية أم بقدرة المواطن على مساءلة من يحكمه؟
إن الأوطان لا تنهض بالتصفيق ولا بالخطب الرنانة، ولا بالوعود الموسمية، تنهض عندما يصبح السؤال أقوى من الشعار وعندما تكون المحاسبة أقوى من النفوذ، وعندما يدرك الجميع أن السياسة ليست أداة لتخدير الشعوب بل وسيلة لخدمة الإنسان.