الألباب المغربية/ محمد خلاف
ثقيلة هي لحظات الانقشاع؛ حين يستيقظ الوعي على جغرافيا لم تعد تشبه أحلامنا الأولى، وعلى أزقة أميط عنها لثام الألفة لتبدو كأحافير غريبة في ذاكرة المكان.
نذرع شوارع “الفقيه بن صالح” خطوا، فنملس جدرانا صامتة ونكراء، كأنما الزمن قسر الجغرافيا على الخيانة، فأستل “الروح” من جوهرها، ومحا بصمات الطفولة ليخلف وراءه هيكلا قاحلا من الإسمنت والضجيج.
كانت هذه المدينة، ذات تجل، نسيجا من عبق البساطة؛ منازل يفيض وجدانها حبا قبل عتباتها، وأزقة يتدفق منها أثير السكينة والتضامن العفوي.
كان الإنسان هو الغاية والمبتدأ، وكانت القناعة هالة تضيء وجوه العابرين في أسواقها وأحيائها القديمة.
أما اليوم، فقد جرفتنا معها دوامة التمدن المتوحش، فتضاءلت القيم إلى أرقام صماء، واستبدت غابات الخرسانة والمضاربات العقارية بما تبقى من رئة خضراء وسواقي كانت تنام عليها الروح.
تقف مدينتنا اليوم عند تخوم التيه، ممزقة بين أبعاد ثلاثة:
- ثقافيا: ننعي صروحا فكرية ورياضية كانت منارات تتألق بها عقول شباب المدينة، ونرقب بأسى كيف تراجع حضور الكلمة والكتب أمام ثقافة الهوامش والعبث، وكيف غيبت الندوات والمطارحات الفكرية لصالح مهرجانات الاستعراض التي تستنزف الرصيد لتترك العقول قاعا صفصفا.
- اجتماعيا: تآكلت العروة الوثقى التي كانت تشد الجار إلى الجار وتجمع أبناء القبيلة والمدينة في السراء والضراء، واستحال الصدق زيفا أدبيا. نعيش اليوم في مجتمع يعاني هشاشة الهيكل وغياب الرؤية، يدار من خلف الستار بأياد “ميكافيلية” تؤثر أطماعها الضيقة على قدسية هذا التراب المعطاء.
- عمرانيا وبيئيا: نتحسر على أشجار الزيتون وظلال السواقي التي طمرت، وهويات بصرية جرى محوها بدم بارد لتتحول أرض بني عمير المعطاء إلى كتل إسمنتية خاوية.
إن أرض “الفقيه بن صالح” لا تطالب بوعود انتخابية منمقة، ولا بـ “قفات” وتبرعات توزع أمام عدسات الكاميرات؛ بل تستسقي نية صادقة للإصلاح، ومشاريع بنيوية تخلق الأمل لدى الشباب وتنقذهم من مرارة التهميش والهجرة، ومؤسسات علمية تجمع شتات الفكر، وإدارة تقدس كرامة المواطن.
إن مدينة الفقيه بن صالح التي أنجبت الأبطال والمبدعين والكادحين تستحق أن تحاط ذاكرتها بالصيانة والتبجيل. ولن يعتق هذا التراب من قبضة الخراب إلا مثقفوها الغيورون وشبابها الذين يرفضون الاستسلام لليأس. لا حاجة بنا إلى مسؤولين يزين لهم وهمهم سوء أفعالهم فيرونه حسنا، بل إلى رجال يحبون الأرض كعشقهم لذواتهم، يدركون أن التنمية والابتكار لا يزهران في مناخات الفوضى والزبونية.
ترميم الذاكرة ليس مجرد حنين رومانسي إلى أمس غابر، بل هو فعل مقاومة واعية ضد محاولات الطمس والمسخ.
المعركة اليوم في “الفقيه بن صالح” تتجاوز صراع الأسمنت والحديد؛ إنها معركة استعادة “الوعي” وحراسة ما تبقى من الإرث الوجداني والتاريخي للمدينة. لا يسعنا الوقوف في موقف المتفرج أمام زحف القبح، بل يجب أن نغرس في قلب هذا الركام بذور التحول، عبر بعث قيم التضامن الأصيلة، وإشاعة جمالية الممارسة، وتوريث الأجيال حب الأرض كقيمة لا كسلعة.
فالمدينة ليست مجرد حجارة صماء، بل هي نحن؛ بصمودنا، بوعينا، وبإصرارنا على أن تظل ذواتنا عصية على الانكسار. ليكون إيماننا بهذا المكان هو القوة التي تزيح ركام الهزيمة، لنبني غدا يليق بدماء المبدعين وعرق الكادحين، ولتستعيد مدينتنا ألقها القديم: منارة للقيم، وحضنا يستوعب الجميع.
ستبقى “الفقيه بن صالح”، رغم ألم الجراح، موطنا للأحرار، ونحن في انتظار الفجر الذي يسترد للمكان كرامته، وللإنسان قيمته المهدورة. ففي هذه الأرض، رغم كل شيء، ما يجعل الحياة جديرة بأن تعاش… وإن غدا لناظره قريب..