الألباب المغربية/ خديجة بوشخار
ليست كل الأحداث تُقاس بعدد المشاركين فيها، ولا كل الصور تُختزل في ما يظهر داخل إطار الكاميرا. فهناك صور تتجاوز حدود الخبر لتتحول إلى مرآة تعكس أسئلة مجتمع بأكمله. وهذا تمامًا ما حدث عندما وثقت العدسات مشاهد عشرات الشباب المغاربة، بعضهم حفاة، وبعضهم شبه عراة، يركضون بكل ما أوتوا من قوة نحو البحر، كأنهم يطاردون حلمًا يتوارى خلف الأفق، أو يفرون من واقع لم يعد يتسع لأحلامهم.
كان البحر أمامهم، لكنه لم يكن مجرد بحر. كان بالنسبة إليهم احتمالًا أخيرًا، ورهانًا مفتوحًا على المجهول. أما الوطن الذي تركوه خلفهم، فلم يكن مجرد أرض، بل قصة لم تكتمل بالنسبة إلى بعضهم، وأحلامًا لم تجد طريقها إلى التحقيق.
وما منح المشهد رمزيته المؤلمة أنه جاء في أيام كان فيها المغرب يحتفل بعيد العرش المجيد، حيث ارتفعت الأعلام، وازدانت المدن، واستحضر المغاربة مسيرة وطن حقق الكثير من الإنجازات. وفي الجهة الأخرى، كانت صورة مختلفة تُبث إلى العالم: شباب يركضون نحو البحر، وكأنهم يبحثون عن وطن آخر، أو عن فرصة يعتقدون أنها لم تعد ممكنة هنا.
قد يكون ذلك مجرد تزامن زمني، لكنه تزامن يفرض التأمل. فالتاريخ كثيرًا ما يصنع مفارقاته بنفسه، والصور الكبرى لا تحتاج إلى كلمات حتى تصبح رسائل. فقد لا يكون هؤلاء الشباب قد قصدوا إرسال رسالة إلى أحد، لكن المشهد نفسه تحول إلى رسالة مفتوحة، عنوانها: ماذا يحدث حين يفقد الإنسان ثقته في أن الغد سيكون أفضل؟
إن الهجرة السرية ليست نزوة عابرة، ولا قرارًا يُتخذ في دقائق. إنها غالبًا نتيجة تراكمات معقدة؛ بطالة، وهشاشة، وشعور بالإقصاء، وتفاوت في الفرص، وأحلام تكبر أسرع من الإمكانيات المتاحة. لذلك فإن مقاربة الظاهرة من زاوية أمنية فقط، مهما كانت ضرورية، لا تكفي لفهمها أو الحد منها، لأن الأمن يعالج النتيجة، بينما تبقى الأسباب أعمق وأكثر تشعبًا.
لقد حقق المغرب خلال العقود الأخيرة أوراشًا كبرى في البنية التحتية والاستثمار والإصلاحات، وهي منجزات لا يمكن إنكارها. لكن التنمية تظل مشروعًا مستمرًا، وقيمتها الحقيقية تُقاس بقدرتها على الوصول إلى الإنسان، وإقناعه بأن مستقبله يمكن أن يُبنى داخل وطنه، لا خارجه.
إن أخطر ما في تلك الصور ليس أنها انتشرت بسرعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، بل أن نعتاد عليها حتى تصبح مشهدًا مألوفًا. فاعتياد الألم هو بداية فقدان الإحساس به، واعتياد هروب الشباب أخطر من الهروب نفسه.
لقد تركت تلك الأقدام الحافية أثرًا على الرمل، لكنها تركت أثرًا أكبر في الوعي الجماعي. إنها ليست مجرد آثار أقدام لشباب كانوا يركضون نحو البحر، بل علامات استفهام كبيرة مرسومة على طريق المستقبل.
وربما لم يكن البحر هو القضية الحقيقية. فالقضية تبدأ قبل الوصول إليه، يوم يشعر شاب في مقتبل العمر أن المجهول، بكل مخاطره، يبدو أكثر رحمة من واقع يعيشه. عندها يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا هربوا؟ بل: ماذا يجب أن نفعل حتى لا يشعر شباب آخرون، يومًا ما، بأن البحر هو آخر أبواب الأمل؟