الألباب المغربية/ عبد العزيز الخطابي
هناك هزائم لا تبدأ مع صافرة الحكم، بل تبدأ منذ اللحظة التي نقرر فيها أن نقرأ كرة القدم بعين السياسة دون أن نفهم السياسة. وبعين التاريخ دون أن نقرأ التاريخ.
في كل مرة يخسر فيها المنتخب المغربي أمام منتخب أفريقي، يتحول المشهد إلى مأتم كروي.. ترتفع أصوات الاستغراب: كيف نعجز أمام أفريقيا ونحن قادرون على مقارعة أوروبا ؟ وكأن أفريقيا أصبحت، في وعينا الجمعي، مرادفًا للضعف. بينما تحولت أوروبا إلى شهادة جودة كروية لا تحتاج إلى برهان.
لكن الحقيقة أكثر سخرية من كل شعاراتنا.
نصفق عندما نهزم منتخبًا أوروبيًا، ثم ننسى أن كثيرًا من أبرز نجوم تلك المنتخبات تعود جذورهم إلى أفريقيا وعندما تواجه فرنسا منتخبًا أفريقيًا.. يبرز سؤال لا يخلو من المفارقة: هل نحن أمام مواجهة بين أوروبا وأفريقيا ؟ أم أمام قصة أكثر تعقيدًا.. تتقاطع فيها الهوية والمواطنة والهجرة والتاريخ ؟
لقد نجحت فرنسا، على مدى عقود، في بناء منظومة رياضية قادرة على استقطاب المواهب وتطويرها وكثير من لاعبيها هم فرنسيون ينحدرون من أصول أفريقية. يحملون القميص الفرنسي بحكم جنسيتهم وانتمائهم الوطني، وهذه ليست مفارقة أخلاقية، بل حقيقة اجتماعية وتاريخية تستحق التأمل.
أما السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا فهو مختلف: لماذا تنجح منظومات كروية في تحويل الموهبة إلى بطولة.. بينما نعجز نحن عن توفير البيئة التي تسمح للمواهب بالازدهار؟
من الأسهل دائمًا اتهام الآخرين. ومن الأصعب الاعتراف بأن الأزمة قد تكون في الإدارة والتكوين والاستثمار والتعليم الرياضي. فاللاعب ليس مسؤولًا عن مكان ميلاده ولا عن الدولة التي يحمل جنسيتها.. لكنه يستفيد من المنظومة التي تمنحه أفضل فرصة للنمو.
ولذلك، فإن القضية ليست أن فرنسا “تسرق” المواهب ولا أن أفريقيا “تخسر” أبناءها، بل أن المنافسة العالمية اليوم لا تُحسم بالحدود الجغرافية وحدها، وإنما أيضًا بالقدرة على بناء مؤسسات قوية ومدارس تدريب حديثة ومشاريع طويلة الأمد.
السخرية الحقيقية ليست في نتائج المباريات، بل في خطابنا عنها.. نرفع المنتخب إلى مرتبة الأسطورة بعد كل انتصار، ثم نهدم كل شيء بعد أول تعثر، نبحث عن شماعة ونرفض النظر إلى المرآة، نحب النتائج، لكننا لا نحب الأسئلة التي تصنع النتائج.
كرة القدم ليست مجرد تسعين دقيقة، بل هي انعكاس للتعليم. والاقتصاد والإدارة والثقافة الرياضية، ومن يختزلها في شعار عاطفي، سيبقى أسير الشعارات.. بينما يواصل الآخرون بناء المستقبل.
لهذا، فإن السؤال الذي يستحق أن يُكتب في صدر كل افتتاحية رياضية ليس: لماذا خسر المغرب أمام منتخب أفريقي؟ بل: لماذا ما زلنا نعتقد أن التفوق حكر على قارة وأن الهزيمة أمام قارة أخرى انتقاص من قيمتنا ؟
ربما لم يخسر المغرب أمام أفريقيا بقدر ما اصطدم بصورة صنعناها نحن عن أفريقيا وربما لا يكون الطريق إلى المجد هو البحث عن أعذار جديدة، بل امتلاك الشجاعة لتغيير طريقة التفكير قبل تغيير طريقة اللعب.
وعندما ننجح في هزيمة أوهامنا.. قد نكتشف أن أصعب خصم لم يكن يومًا منتخبًا يقف في الجهة الأخرى من الملعب.. بل كان الفكرة التي سكنت عقولنا لسنوات طويلة.
لكن، لنتوقف قليلًا عند سؤال أكثر إزعاجًا: من الذي ربح معركة الاستعمار حقًا؟
قد يعتقد البعض أن الاستعمار انتهى يوم رُفعت الأعلام الوطنية. لكن التاريخ لا ينتهي بخروج الجيوش فقط. فهناك استعمار يرحل من الأرض. وآخر يبقى داخل الاقتصاد. والتعليم. واللغة، والرياضة. وحتى في طريقة تفكير الشعوب.
في الماضي كانت الإمبراطوريات تتنافس على احتلال الأراضي. أما اليوم فهي تتنافس على استقطاب العقول والكفاءات والمواهب. لقد تغيرت الأدوات. لكن المنافسة لم تتوقف.
ولعل كرة القدم تقدم مثالًا واضحًا على هذا التحول. فالدول التي تمتلك أفضل منظومات التكوين لا تستورد اللاعبين. بل تستثمر في الإنسان. وتحوّل الموهبة إلى مشروع رياضي متكامل. وفي المقابل. لا تزال دول كثيرة تكتفي بالاحتفاء بالموهبة. دون أن توفر لها البيئة التي تجعلها تزدهر.
ولهذا يبدو السؤال الحقيقي مختلفًا تمامًا: لماذا أصبحت القارة التي تُنجب هذا الكم من المواهب أقل حضورًا في منصات التتويج العالمية على مستوى المنتخبات؟ وهل المشكلة في نقص المواهب.. أم في غياب المؤسسات القادرة على صقلها ؟
الأخطر من ذلك أن بعضنا ما زال يعيش على أمجاد الماضي.. نتحدث عن التاريخ أكثر مما نصنع المستقبل ونستدعي الشعارات أكثر مما نبني المشاريع وعندما نخسر، نبحث عن مؤامرة وعندما نفوز. نتصرف وكأننا بلغنا نهاية الطريق.
هذه ليست أزمة كرة قدم فقط، بل أزمة ثقافة.. فالأمم التي تتقدم لا تسأل بعد كل خسارة: من نلوم؟ بل تسأل: ماذا نتعلم؟ وكيف نصبح أفضل؟
وربما لهذا السبب تبدو كرة القدم أحيانًا أكثر صدقًا من السياسة، فالملعب لا يعرف الخطابات الرنانة ولا يعترف بالشعارات.. إنه يكافئ العمل، ويعاقب التراخي. ويكشف في تسعين دقيقة ما تحاول البيانات الرسمية إخفاءه لسنوات.
لذلك، فإن الهزيمة ليست دائمًا سقوطًا.. بل قد تكون بداية وعي جديد.. أما الخطر الحقيقي. فهو أن نستمر في ترديد الحكاية نفسها بعد كل بطولة دون أن نغير سطرًا واحدًا من واقعنا.
وفي النهاية، لا يبقى السؤال: هل خسر المغرب أمام أفريقيا أو أمام أوروبا ؟ بل: هل نحن مستعدون لأن ننتقل من ثقافة تبرير النتائج إلى ثقافة صناعة النتائج؟ لأن الأمم التي تصنع المستقبل لا تنتظر صافرة النهاية لتبدأ التفكير.. بل تبدأ التفكير قبل أن تنطلق المباراة.