الألباب المغربية/ محمد خلاف
زنقة زنقة، ودار دار، هكذا تتردد الأصداء لتعري واقعاً مريراً نعيشه اليوم، واقعاً تحولت فيه بعض النخب والممارسات السيئة إلى معول هدم حقيقي لكرامة الإنسان وبناء المجتمع. أما أنا فأقول: فساداً فساداً، ودائرةً دائرة، وأساليبَ شراءِ الضمائرِ وتزييف الإرادات تتوالى واحدةً تلو الأخرى دون خجل أو وازع من ضمير. إن ما نشهده في بعض المحطات والمناسبات ليس مجرد تنافس سياسي شريف أو تدافع فكري لخدمة الصالح العام، بل هو مستنقع تتلاطم فيه أمواج الممارسات الدنيئة التي تستهدف بالدرجة الأولى وعي المواطن البسيط، وتسعى جاهدة إلى مسح قيمته الإنسانية المتجذرة.
من هنا، ومن قلب هذه المعاناة الصامتة التي تعتصر قلوب الأوفياء، أعلنها صراحة وبأعلى صوت لا يتردد ولا يخاف لومة لائم، أنني أشدُّ كرهًا وبغضاً لكل من يمارس الغبن الانتخابي في حق المواطنين، ويختزل الكائن البشري المكرم في مجرد صوت وصندوق، يوضع في سوق النخاسة السياسية ليُباع ويُشترى بأبخس الأثمان. فالمواطن الحر الذي يعتز بوطنيته ليس سلعة رخيصة تُعرض في مزادات الانتهازيين، وليس قطيعاً أعمى يُساق بلا وعي بواسطة السماسرة والوسطاء وتجار الذمم لتحقيق مصالح انتخابية ضيقة، أو لجني مكاسب مالية ومناصب عابرة على حساب دماء ومستقبل وتنمية الأجيال القادمة.
إن هذه السلوكات البائدة والأساليب المتخلفة تجد ملاذها الخصب، بكل أسف، في محاولات تعمد تغييب الوعي الجمعي، واستغلال الحاجة والفقر والظروف الاجتماعية الصعبة للناس. وهي ممارسات مرفوضة جملة وتفصيلاً، ووجب قطع دابرها في كل شبر من هذا الوطن الحبيب، وفي عمق حاضرة الفقيه بن صالح الأبية، هذه المدينة الأبية التي تستحق اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نخبًا حقيقية ونزيهة تعبر بصدق عن تطلعات أهلها الشرفاء، وتدافع عن مشاريعها التنموية، لا سماسرة يتاجرون بآمال الساكنة وآلام الشباب الضائع.
لقد ولى زمن الصمت المطبق والمحاباة العقيمة، وآن الأوان ليفهم كل من يظن أن الذمم والضمائر يمكن أن تُشترى بالأموال الفاسدة، أن كرامة المواطن في الفقيه بن صالح هي خط أحمر وجدار سميك لا يمكن تجاوزه أو القفز عليه مهما امتلكوا من نفوذ ووسائل دنيئة. لن نقف مكتوفي الأيدي، ولن نلتزم الحياد السلبي أمام من يحاول تحويل العمل السياسي النبيل والمسؤول إلى تجارة سوداء مربحة لجهات معلومة تسعى للاغتناء غير المشروع، وسنظل نواجه هذا الفساد المستشري بكل ما أوتينا من قوة، دائرة دائرة، وزنقة زنقة، ونكشف للعلن تلك الأساليب الملتوية والمكائد الخبيثة التي تحاول دائماً الالتفاف على الإرادة الحقيقية والحرة للمواطنين والمواطنات.
إن التغيير الحقيقي يبدأ من مواجهة هؤلاء العابثين بمصير الاستحقاقات، والذين حولوا المشهد إلى مسرحية مكشوفة الفصول. لكل من يعتقد واهماً أنه قادر على التلاعب بمصير الناس ومستقبل أبنائهم، واستغلال أصواتهم البريئة من أجل كرسي زائل أو منفعة شخصية ضيقة، نقول له بالفم المليان إن حبل الكذب والتدليس قصير جداً، وإن الوعي الشعبي في مدينة الفقيه بن صالح وفي كل ربوع الوطن ينمو بشكل متسارع، ويتحصن يوماً بعد يوم ضد هذه المخططات والسيناريوهات المكشوفة.
لن نسمح بعد اليوم بأن يُختزل الإنسان في مجرد رقم حسابي أو ورقة فرز داخل الصناديق، فالأمل باقٍ والمسؤولية ملقاة على عاتق كل الشرفاء لفضح هذه السلوكات وتطهير المشهد من الانتهازيين والمفسدين، وتذكروا دائماً أن عروش الفساد واهية مهما ظن أصحابها أنهم مخلدون، وسيعلم الذين ظلموا وتلاعبوا بمصائر العباد أي منقلب ينقلبون، مصداقاً لقوله تعالى: “فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”.