الألباب المغربية/ د. حسن شتاتو
تطرح الكتابة في الشأن العام تحدياً حقيقياً، لأن القارئ لا يتعامل دائماً مع الأفكار كما أرادها صاحبها، بل قد يعيد تأويلها وفق خلفياته النفسية أو مواقفه السياسية المسبقة. ولهذا فإن بعض المقالات التي تنطلق من رؤية تحليلية هادئة تُقرأ أحياناً خارج سياقها، فتُختزل في مواقف لم تكن مقصودة، أو تُحمّل رسائل تتجاوز مضمونها الحقيقي.
إن من أخطر ما يواجه المجتمعات هو الخلط بين النقد البنّاء والنقد العدمي. فالنقد ليس موقفاً مناهضاً للوطن أو الدولة، بل هو أحد شروط تطورها واستمرارها. أما العدمية السياسية فهي حالة من الرفض الشامل التي لا تميز بين الأخطاء والإيجابيات، ولا تبحث عن الإصلاح بقدر ما تبحث عن هدم الثقة في كل المؤسسات. وبين الموقفين مسافة واسعة لا يدركها إلا من يقرأ الواقع بعين العقل لا بعاطفة الغضب.
إن رؤيتي تنطلق من مرجعية إسلامية وتاريخية تعتبر أن استقرار الجماعة السياسية مقصد أساسي، وأن التجارب الإنسانية، ومنها التجربة الإسلامية، أظهرت أن الفتن الكبرى غالباً ما تنشأ حين تنهار قواعد التوافق السياسي وتتحول المنافسة على السلطة إلى صراع مفتوح. ومن هنا فإن مفهوم البيعة، في سياقه التاريخي والفقهي، ارتبط بفكرة حفظ الجماعة ومنع الانقسام، وليس بمجرد الولاء الشخصي أو إلغاء حق النصيحة والمساءلة.
وانطلاقاً من هذا الفهم، أعتبر أن الملكية المغربية تمثل، في الظرف التاريخي الراهن، إطاراً أساسياً لاستقرار الدولة واستمرار توازناتها. إن الدفاع عن الملكية لا يعني إنكار الحاجة إلى الإصلاح، كما أن الإيمان بدور المؤسسة الملكية لا يعني تحويلها إلى موضوع خارج دائرة النقد العقلاني. فكل مؤسسة بشرية، مهما كانت مكانتها، تحتاج إلى مراجعة مستمرة وآليات تضمن الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن قوة الدولة لا تُقاس فقط بوجود مؤسساتها، بل بقدرتها على تطوير نفسها وتصحيح اختلالاتها. ولذلك فإن الحديث عن بعض مظاهر النفوذ غير المتوازن، أو عن الحاجة إلى عدالة أكبر في توزيع الفرص، أو عن ضرورة تقوية دولة القانون، لا ينبغي أن يُفهم باعتباره استهدافاً للدولة، بل هو تعبير عن الرغبة في تحصينها من عوامل الضعف والانحراف.
وفي المقابل، فإن أي قراءة موضوعية للمشهد السياسي المغربي لا يمكن أن تتجاهل أزمة الفاعل الحزبي. فالأحزاب السياسية، التي يفترض أن تكون جسراً بين المجتمع والدولة، تعاني من أزمات مرتبطة بالمصداقية والنخب والقدرة على إنتاج مشاريع مجتمعية واضحة. وقد أدى ضعف الأداء السياسي في مراحل متعددة إلى فراغ استغلته خطابات الغضب واليأس.
إن الدفاع عن الاستقرار لا يعني القبول بالجمود، كما أن المطالبة بالإصلاح لا تعني الدعوة إلى القطيعة. فالدول لا تُبنى بمنطق الهدم الشامل، ولا تستمر بمنطق الإنكار المستمر للمشكلات. الطريق الأكثر نضجاً هو طريق الإصلاح المتدرج، الذي يحافظ على الثوابت ويعالج الاختلالات.
أنا ملكي من منطلق قناعة فكرية وتاريخية، لا من باب البحث عن امتياز أو قرب من مراكز النفوذ. ولا أرى في الولاء تناقضاً مع قول الحقيقة، لأن الولاء الحقيقي للدولة هو الذي يدفع إلى حمايتها من أخطائها قبل أعدائها. فالمجاملة قد تُرضي أصحاب القرار مؤقتاً، لكنها لا تخدم الوطن على المدى البعيد.
أنا ابن أسرة ارتبط تاريخها بالمقاومة وجيش التحرير، من رجال كزناية الذين حملوا مسؤولية الدفاع عن الوطن في مرحلة مفصلية من تاريخه. وقد صنعت مساري خارج الوطن بالعمل والاجتهاد، دون أن أفقد يوماً إحساسي بالانتماء أو المسؤولية تجاه بلدي. فالوطنية ليست عقد منفعة بين المواطن والدولة، بل هي علاقة تاريخ وذاكرة وواجب.
إن المغرب اليوم يحتاج إلى خطاب جديد يتجاوز الثنائية العقيمة بين التمجيد المطلق والرفض المطلق. يحتاج إلى مواطنين يؤمنون بالدولة لكن يطالبون بتحسين أدائها، يحترمون المؤسسات لكن يدعون إلى إصلاحها، يعتزون بالتاريخ لكن لا يعيشون أسرى له.
تلك هي فلسفة الولاء النقدي: أن تحب وطنك بما يكفي لتدافع عنه، وأن تحترمه بما يكفي لتقول له الحقيقة.