الألباب المغربية/ عبد العزيز الخطابي
لا يُقاس أمن الأوطان بعدد الدوريات الأمنية فقط ولا بعدد الموقوفين الذين يمثلون أمام العدالة، بل يُقاس قبل ذلك بقدرة المجتمع على إنتاج مواطن يحترم القانون. ويؤمن بأن حماية الممتلكات العامة والخاصة جزء من حماية الوطن نفسه.. فالأمن الحقيقي يبدأ من المدرسة والأسرة والإعلام والفضاء العام، قبل أن يبدأ من مركز الشرطة أو مقر الدرك.
إن مشاهد تكسير السيارات والاعتداء على ممتلكات المواطنين واستعمال الأسلحة البيضاء أو أدوات خطيرة في الفضاء العام.. ليست مجرد جرائم معزولة، بل هي ناقوس إنذار يدعونا جميعًا إلى التفكير في الأسباب العميقة التي تسمح بظهور مثل هذه السلوكيات. فالجريمة لا تنشأ في الفراغ وإنما تتغذى من اختلالات اجتماعية وتربوية وثقافية وتتطلب مواجهتها رؤية شاملة لا تقتصر على الجانب الأمني وحده.
ولا شك أن الأجهزة الأمنية تبذل جهودًا كبيرة في مكافحة الجريمة وحماية المواطنين، غير أن نجاح هذه المهمة يظل مرتبطًا بانخراط جميع المؤسسات في تحمل مسؤولياتها. فالحكومة مطالبة بتعزيز السياسات الاجتماعية والوقائية. والأحزاب السياسية مطالبة بتقديم تصورات عملية حول الأمن المجتمعي بدل الاكتفاء بالشعارات. كما أن المدرسة والأسرة والمجتمع المدني مطالبون بغرس قيم احترام القانون والعيش المشترك.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: أين رجال الأمن ؟ بل أيضًا: أين المشروع المجتمعي الذي يصنع مواطنًا يرفض العنف قبل أن يخاف العقوبة ؟ وأين الخطاب السياسي الذي يجعل أمن المواطن وكرامته أولوية دائمة، لا موضوعًا موسميًا يظهر بعد كل حادث مؤلم ؟
ويأتي هذا النقاش في مرحلة يستعد فيها المغرب لاستحقاقات كبرى، اقتصادية ورياضية.. وفي مقدمتها احتضان كأس العالم 2030. فالاستثمار يحتاج إلى الثقة. والسياحة تحتاج إلى الطمأنينة والتنمية تحتاج إلى فضاء يسوده القانون والاستقرار، لذلك فإن الأمن ليس مجرد قطاع إداري، بل هو ركيزة من ركائز التنمية وصورة من صور قوة الدولة.
إن بناء مغرب قوي لا يتحقق فقط بتشييد الطرق والموانئ والملاعب.. بل أيضًا ببناء إنسان يحترم القانون ومؤسسات تتكامل أدوارها، وعدالة تردع المعتدي، وثقافة تجعل الاعتداء على ممتلكات الغير سلوكًا مرفوضًا أخلاقيًا قبل أن يكون جريمة يعاقب عليها القانون.
ولعل الشعار الذي يستحق أن تلتف حوله جميع المؤسسات اليوم هو: “المغرب بلا جريمة” ليس باعتباره حلمًا مثاليًا يصعب بلوغه.. بل باعتباره مشروعًا وطنيًا يقوم على الوقاية والتربية وسيادة القانون والتنسيق بين مختلف الفاعلين.. فكل سيارة تُحطم وكل مواطن يفقد شعوره بالأمان.. هو جرس إنذار يدعو إلى مزيد من العمل المشترك حتى يبقى المغرب وطنًا للأمن والاستقرار ونموذجًا للتنمية التي تضع الإنسان في صلب أولوياتها.