الألباب المغربية/ محمد عبيد – فاس
صيحات النصر في الملاعب العربية كثيراً ما تُقدَّم بوصفها إنجازاً وطنياً، لكنها لا تُخفي حقيقة أعمق: أن الخلل الحقيقي ما يزال كامناً في السياسات العامة، وفي مؤشرات التنمية والتعليم والصحة وفرص العيش الكريم.
الكرة في عالمنا العربي لم تعد مجرد لعبة عند كثيرين.. لقد تحولت إلى مخدر جماعي، وإلى وسيلة أنيقة لتأجيل الغضب، وتفريغ الاحتقان، وتلميع العجز.
نحتفل بالأهداف لأننا لا نملك ما نحتفل به في مجالات أخرى. نتغنى بالانتصارات لأننا فشلنا في صناعة انتصارات حقيقية في العلم والإنتاج والحرية والعدالة.
وهذا أخطر من الخسارة الرياضية نفسها، لأن الخسارة هنا تُقدَّم للناس على أنها إنجاز، أو على الأقل كتعويض نفسي عن هزائم أعمق.
ولعل السؤال الأكثر إزعاجًا اليوم هو:
– هل نريد فعلًا أن نبني أوطانًا، أم أننا اكتفينا ببناء مواسم من الفرح المؤقت ؟
– هل نبحث عن مستقبل، أم عن تصفيق سريع ينتهي مع صافرة الحكم ؟
– هل نريد مواطنًا واعيًا، أم جمهورًا يُستدعى كل مرة ليهتف ثم يعود إلى بيته محمّلًا بخيبة لا اسم لها ؟
إن أخطر ما في المشهد العربي ليس الحماس الرياضي، بل هذا الاستسهال السياسي الذي يجعل من الكرة ستارًا كثيفًا يختبئ خلفه الفشل.
فحين تعجز السياسة عن إقناع الناس بإنجازاتها، تسارع إلى استدعاء المنتخب.
وحين تتراكم الأزمات، يُطلب من الجماهير أن تفرح بأي شيء. وحين ينكشف الضعف، تُرفع الأعلام لتغطيه.
هكذا تُدار كثير من الأوهام، وهكذا تُسحب البساط من تحت الوعي.
في زمنٍ ليس ببعيد، قدّم المفكّر المهدي المنجرة قراءة لاذعة لما يحيط بتنافسنا العربي في كرة القدم. ولم يكن نقده موجهاً إلى الكرة كرياضة بحد ذاتها، بل إلى موقف مجتمعاتنا التي تصبغ الانتصارات الرياضية بحلة توحي بأن جزءاً من الكرامة والإنجاز قد تحقق.
وكان المنجرة يذكّرنا بأن الهتاف الجماهيري لا ينبغي أن يحجب أسئلة أكبر: هل بنينا مؤسسات قادرة على حماية كرامة المواطن ؟ هل توفر مدارسنا تعليماً فعلياً ؟ وهل تضع مؤشرات الصحة والاقتصاد المواطنين في مرتبة أولى ؟
يحرّكنا الحماس الجماهيري أحياناً إلى درجة تبدو معها البطولة محكّاً للهوية الوطنية، غير أن الواقع المؤلم يثبت غير ذلك. فالفوز على منتخبٍ في مباراة حاسمة يبقى لحظة عاطفية مؤثرة، لكنه لا يحوّل أنظمة التعليم المتهالكة إلى مدارس منتجة للمعرفة، ولا يحدّ من بطالةٍ تستنزف شبابنا، ولا يكسر منطق الفساد الذي يلتهم موارد التنمية. والمنجرة لم يهاجم التشجيع، بل حذّر من تحويل الملعب إلى بديل عن العقل والنقد والعمل.
والتجربة العربية في العقود الأخيرة تقدم أمثلة متكررة على هذا الخلل في ترتيب الأولويات:
- احتفالات وطنية وصور مبهرة على شاشات الإعلام تتزامن مع تقارير عن مؤشرات تنموية متدنية في الصحة والتعليم والدخل الفردي.
- وحين نصرّ على قياس التقدّم بعدد الألقاب أو مستوى أداء منتخب ما، فإننا نغفل مؤشرات أكثر حيوية، مثل معدلات القراءة والكتابة، ومتوسط العمر المتوقع، وقدرة النظام الصحي على الاستجابة، وتوفر فرص العمل اللائق. وهذه المعطيات وحدها هي التي تصوغ صورة حقيقية لتقدّم أمة أو تخلّفها.
■الخطأ الحقيقي ليس في التعلّق بالنتائج الرياضية، بل في جعلها ملاذاً لمشاعر النقص الجماعي.
فالسياسة الثقافية التي تكرّس الاهتمام بالإنجازات المؤقتة وتوظفها إعلامياً، من دون موازنتها بخطط تنموية طويلة الأمد، تغذي نوعاً من الضياع.
وفي كثير من الأحيان نرى تمويلات ضخمة للرياضة ومشاريع رمزية تُوظَّف في اللحظة الإعلامية نفسها التي تُهمَل فيها مشاريع البنية التحتية التعليمية أو الصحية، وهي المشاريع القادرة على تغيير مصائر أجيال كاملة.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح:
* ماذا لو طوّرنا هذا الحماس الرياضي ليصبح وقوداً لدفع مشاريع اجتماعية حقيقية ؟
* ماذا لو استثمرت الدولة والفاعلون المحليون جزءً من دعمهم للرياضة في برامج تنمية شبابية، وفي ملاعب داخل الأحياء تُدار من طرف جمعيات تشتغل أيضاً على التكوين المهني والتأطير المدني ؟
إن دعم الرياضة يمكن أن يكون مفيداً ومولّداً للطاقات، شريطة ألا يحل محل الاستثمار في الإنسان بالمفهوم الشامل.
كما أن النخب المثقفة وصناع القرار يتحملون مسؤولية كبيرة في هذا السياق… عليهم أن يحوّلوا الخطاب العام من تسخين للمظاهر إلى تحفيز للمشاريع:
تشجيع البحث العلمي، إصلاح المناهج المدرسية، خلق مؤسسات محلية للإنعاش الاقتصادي، وإرساء آليات شفافة وفعالة في تدبير المال العام.
والإعلام بدوره مسؤول، لأن تغطية المباريات لا يجب أن تطغى على تحقيقات تخص الصحة العامة أو قضايا التعليم أو الفقر، إذ إن مساحة الخبر العام تنعكس مباشرة على أولويات الجمهور والسلطة معاً.
وكان المنجرة واضحاً عندما قال إن بعض الدول ترى في كرة القدم “كل شيء”، في حين أن الحقيقة أنها لا تعني شيئاً أمام الحاجات التنموية الجوهرية.
وتبقى هذه العبارة صادمة، لكنها تذكّرنا بضرورة تنظيم أولوياتنا: فالأهداف الحقيقية لا تُقاس بعدد الأهداف المسجلة في مباراة، بل بجودة المدارس والمستشفيات، وبفرص تشغيل لائقة، وبمستوى كرامة المواطنين.
ختاما، إذ نحتفي بالنجاحات الرياضية، علينا ألا ننسى أن الانتصار الحقيقي يبدأ بتقوية المؤسسات وبناء الوعي النقدي لدى المواطن.
فالمعركة ليست مع كرةٍ هنا أو هناك، بل مع الجهل الذي يتسرب إلى حياتنا اليومية، ومع العجز الذي نعيد إنتاجه كل يوم.
وفي النهاية، لنجعل من الحماس طاقة بناءة لا وسيلة لصرف النظر.
كرة القدم جميلة ومهمة، لكنها حين تصبح بديلاً عن الوعي والعمل تتحول إلى مشكلة. والأمم لا تُقاس بعدد الألقاب، بل بقيمة الإنسان، وبقدرة المدرسة والمستشفى وفرص الشغل على صون كرامته.
في العالم العربي، كثيراً ما تُرفع صيحات النصر في الملاعب إلى مرتبة الإنجاز الوطني الكبير، غير أن الحقيقة، مهما جرى تلميعها، تبقى أكثر قسوة: نحن نبالغ في الاحتفال بما هو عابر، ونصمت أمام ما هو جوهري.