الألباب المغربية/ خديجة بوشخار
في 31 ماي من كل سنة، يعود العالم ليتوقف لحظة عند جريمة صامتة تقتل أكثر من 8 ملايين إنسان سنوياً وفق منظمة الصحة العالمية، جريمة اسمها التبغ. في المغرب، ومع احتفاء الكرة الأرضية باليوم العالمي لمحاربة التدخين، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إلى متى ستظل السيجارة أرخص من علبة الدواء، وأسرع طريق يختصر عمر الشباب المغربي؟
إن التدخين ليس عادة شخصية بريئة كما يحاول البعض تسويقها. بل هو بوابة أمراض قاتلة تبدأ بسرطان الرئة والفم والحنجرة، وتنتهي عند الجلطات القلبية والسكتات الدماغية وأمراض الانسداد الرئوي المزمن. الإحصائيات الوطنية تشير إلى أن أكثر من 13% من البالغين مدخنون، والنسبة ترتفع بشكل مقلق وسط الشباب والمراهقين، خاصة مع اجتياح السجائر الإلكترونية والمنتجات البديلة التي تسوق على أنها “أقل ضرراً”، وهي في الحقيقة مصيدة جديدة تنقل الإدمان إلى جيل لم يذق طعم التبغ التقليدي.
لكن الخطر لا يتوقف عند المدخن نفسه بل إن دخان السجائر هو قاتل صامت يخنق من حوله فيصبح ما يسمى “التدخين السلبي” الذي يحصد أرواح غير المدخنين في البيوت والمقاهي وأماكن العمل، ويجعل الأطفال والنساء الحوامل أكثر الفئات هشاشة أمام مضاعفاته. سيجارة واحدة في غرفة مغلقة كافية لتحويل الهواء إلى سم يستنشقه الجميع دون إذنهم.
جدير بالذكر أن المغرب لم يقف مكتوف الأيدي. منذ المصادقة على الاتفاقية الإطارية لمنظمة الصحة العالمية لمكافحة التبغ، حيث اتخذت الوزارة والقطاعات المعنية سلسلة إجراءات منها: رفع الضرائب على منتجات التبغ، توسيع مساحات الحظر في الأماكن العمومية، إلزام المصنعين بوضع صور تحذيرية مرعبة على العلب، وإطلاق حملات تحسيسية في المدارس والجامعات. لكن المعركة تبقى غير متكافئة أمام قوة شركات التبغ ودهائها التسويقي، وأمام ثقافة اجتماعية لا تزال تربط بين السيجارة والرجولة أو التركيز أو “الراس”.
يبدو أن الحل لا يكمن في القانون وحده بل هو معركة وعي قبل أن تكون معركة غرامات باعتبار أن الأسرة مطالبة بأن تكون خط الدفاع الأول، والمدرسة مطالبة بأن تكشف للطفل حقيقة أن شركات التبغ تبيعه الموت في علبة ملونة، والطبيب مطالب بأن لا يخجل من سؤال مريضه “هل تدخن؟” وأن يعرض عليه بدائل الإقلاع المدعومة. والإقلاع ممكن، والأدلة العلمية تؤكد أن الجسم يبدأ في إصلاح نفسه بعد 20 دقيقة فقط من آخر سيجارة، وبعد سنة واحدة ينخفض خطر الإصابة بأمراض القلب إلى النصف.
إن اليوم العالمي لمحاربة التدخين ليس يوماً للشعارات والخطب، هو تذكير قاسٍ بأن كل سيجارة تشعلها هي خسارة للوطن في طاقاته وأبنائه وفي فاتورة العلاج التي تثقل كاهل الدولة. الاختيار بسيط وقاسٍ في نفس الوقت: إما أن نختار الحياة والهواء النقي، أو نستمر في حرق أنفاسنا واحدة تلو الأخرى.