الألباب المغربية/ محمد عبيد
مع اشتداد حرارة الصيف في مدينة فاس، تتجدد كل سنة الأسئلة نفسها حول مدى جاهزية المدينة لمواجهة أثر المناخ، وحول قدرة نسيجها الحضري على توفير شروط العيش الكريم لسكانها.
فالمدينة، التي تعرف خلال النهار هدوءًا لافتًا بفعل ارتفاع درجات الحرارة، تستعيد بعض حركتها ليلًا حين يبحث المواطنون عن متنفسات تقلل من وطأة الحر داخل الأحياء والمنازل، في مشهد يكشف أكثر مما يخفي عن الخصاص الذي ما زال قائمًا في الفضاءات الخضراء ومرافق الترفيه العمومي.
وليس هذا المشهد سوى عنوان فرعي لأزمة حضرية أعمق، تتصل بطبيعة التوسع العمراني الذي عرفته المدينة خلال السنوات الأخيرة، وبحجم التوازن المفقود بين الإسمنت والمساحات المفتوحة.
فعدد من الأحياء الجديدة، على وجه الخصوص، وُلدت في كثير من الأحيان دون مواكبة كافية من حيث التجهيزات الأساسية، بما في ذلك ملاعب القرب، والحدائق، والممرات الظليلة، والفضاءات التي تمنح الساكنة، خصوصًا الأسر والأطفال، حقًا بسيطًا في الاستجمام والراحة.
وتزداد حدة الإشكال عندما تتحول بعض الفضاءات المفتوحة إلى وجهات مكتظة مساءً، لا لوفرة البدائل، بل لندرتها. وهنا يظهر بوضوح أن المدينة لا تعاني فقط من ارتفاع درجات الحرارة، بل أيضًا من ضعف السياسات الحضرية القادرة على استباق التحولات المناخية عبر التشجير، وتوسيع الغطاء النباتي، وإعادة الاعتبار للفضاء العمومي باعتباره جزءًا من الصحة العامة، لا مجرد امتداد عمراني.
إن فاس، بما لها من مكانة تاريخية ورمزية، تحتاج اليوم إلى ما هو أكثر من تدبير ظرفي لموجات الحر؛ تحتاج إلى رؤية حضرية تعيد ترتيب الأولويات، وتضع المواطن في قلب التخطيط، وتعتبر الشجرة والحديقة والمجال المفتوح عناصر أساسية في بناء مدينة قابلة للعيش. فالتشجير ليس ترفًا بيئيًا، بل ضرورة حضرية، والظل ليس تفصيلًا ثانويًا، بل حق يومي يلامس جودة الحياة.
بهذا المعنى، تبدو معركة فاس مع الصيف أبعد من مجرد مواجهة مؤقتة مع الحرارة، لأنها في العمق معركة من أجل مدينة أكثر توازنًا، وأكثر إنصافًا، وأكثر قدرة على حماية سكانها من قسوة المناخ وتحولات العمران معًا.