الألباب المغربية/ خديجة بوشخار
كل صيف، يتجدد المشهد ذاته؛ ألسنة اللهب تلتهم الغابات، وأعمدة الدخان ترتفع في السماء، فيما تتسابق فرق التدخل للحد من انتشار النيران وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لم تعد حرائق الغابات في المغرب مجرد حوادث موسمية عابرة، بل أضحت تحدياً بيئياً وتنموياً يفرض نفسه بقوة، في ظل التغيرات المناخية المتسارعة وتنامي الضغوط البشرية على المجال الغابوي.
ومع كل حريق جديد، يبرز السؤال الذي بات يتكرر بإلحاح: هل أصبحت موجات الحر والجفاف وحدها مسؤولة عن هذه الكوارث؟ أم أن العامل البشري ما يزال يشكل الحلقة الأخطر في سلسلة اندلاع الحرائق؟
لا خلاف حول أن التغيرات المناخية رفعت من درجة هشاشة المنظومات البيئية. فالارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة، وتوالي سنوات الجفاف، وانخفاض نسبة الرطوبة، كلها عوامل تجعل الغطاء النباتي سريع الاشتعال، وتزيد من صعوبة السيطرة على النيران. غير أن هذه الظروف، رغم قسوتها، لا تفسر وحدها بداية الحريق، لأن النار لا تنطلق من فراغ، بل تحتاج إلى شرارة، وغالباً ما تكون هذه الشرارة نتيجة سلوك بشري، سواء بسبب الإهمال أو اللامبالاة، أو أفعال متعمدة تظل خاضعة للتحقيقات القضائية.
وما عرفه إقليم بني ملال خلال صيف 2026 يعكس هذه الإشكالية بوضوح، بعدما شهدت المدينة ومحيطها سلسلة من حرائق الأعشاب والمساحات الجانبية، إضافة إلى الحريق الذي اندلع بمنطقة القصيبة، ثم الحريق الذي شهده دوار جغو، والذي تمت السيطرة عليه مساء الجمعة 24 يوليوز. ورغم اختلاف مواقع هذه الحرائق، فإن تكرارها في فترة وجيزة أثار مخاوف الساكنة، وطرح تساؤلات حول مدى احترام قواعد الوقاية، وحول الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذا التواتر المقلق.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن جهة بني ملال–خنيفرة سجلت خلال الموسم الحالي من بين أعلى نسب المساحات المتضررة من الحرائق، وهو معطى يستدعي قراءة شاملة لا تقتصر على تأثير المناخ، بل تمتد إلى تدبير المجال الغابوي، وفعالية الوقاية، ومستوى الوعي البيئي لدى المواطنين.
ولا يمكن، في هذا السياق، اختزال المسؤولية في المواطن وحده، لأن حماية الغابات مسؤولية مشتركة. فالمؤسسات العمومية مطالبة بتعزيز آليات الرصد والإنذار المبكر، وتكثيف المراقبة خلال فترات الخطر، وصيانة المسالك الغابوية، وإزالة الأعشاب الجافة، وتوسيع استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة، من طائرات مسيرة وأنظمة مراقبة ذكية، بما يسمح بالتدخل السريع قبل تحول الشرارة إلى كارثة.
وفي المقابل، يبقى الرهان الأكبر هو ترسيخ ثقافة المواطنة البيئية. فحماية الغابة تبدأ من سلوك بسيط؛ عدم رمي عقب سيجارة، أو الامتناع عن إشعال النار في الفضاءات الطبيعية، أو التبليغ الفوري عن أي دخان أو حريق. إنها مسؤولية جماعية لا تقل أهمية عن تدخل رجال الوقاية المدنية أو السلطات المختصة.
ولا يمكن إغفال المجهودات الكبيرة التي تبذلها مختلف المصالح المتدخلة، من سلطات محلية ووقاية مدنية ووكالة وطنية للمياه والغابات ودرك ملكي وقوات مساعدة، والتي مكنت في العديد من الحالات من تطويق الحرائق والحد من امتدادها، رغم الظروف المناخية الصعبة. إلا أن النجاح الحقيقي لا يقاس فقط بسرعة إخماد النيران، بل بمدى القدرة على منع اندلاعها من الأصل.
إن التغير المناخي واقع لا يمكن إنكاره، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة تعفي الإنسان من مسؤوليته. فالمناخ قد يهيئ الظروف، لكنه لا يشعل النار. أما الشرارة الأولى، فهي في كثير من الأحيان نتيجة تصرف يمكن تجنبه بالوعي والالتزام.
إن الغابات ليست مجرد أشجار، بل هي ثروة وطنية، ورئة بيئية، وضمان للتوازن الإيكولوجي، ورصيد للأجيال القادمة. لذلك فإن حماية هذا الإرث الطبيعي تقتضي الانتقال من ثقافة التدخل بعد وقوع الكارثة إلى ثقافة الوقاية والاستباق، لأن الغابة التي تحترق في ساعات، قد تحتاج إلى عقود طويلة حتى تستعيد عافيتها.