الألباب المغربية/ محمد خلاف
في هذه المتاهة التي نرتديها كفنًا ونسميها سكناً، أقف كغريبٍ يتهجى في عتمة الطُرُقات كتاباً مُحيت حروفه؛ فالمدينة التي أرضعتنا يوماً حليب الانتماء الدافئ، باتت اليوم تجرعنا غبار الجحود المر. ثمة غصة خانقة تسكن الحنجرة حين ترى عيناك “الفقيه بن صالح” تخلع ثوبها الأخضر الفطري المطرز بالبركة، لتلتحف كفناً من الإسمنت البارد والأصم. إنه انتحار الهوية البطيء على مذبح حداثة مشوهة وممسوخة، حيث يغدو الحجر الأصم أثمن من دم البشر، وتتحول الدروب التي كانت تفيض بعبق “الغبار” القديم الساحر إلى سراديب خانقة من ضيق، لا تمنح العابرين إلا شعوراً بالضياع الوجودي والتيه. نحن لا نسكن المدينة اليوم يا صاحبي، بل هي التي تجثم فوق أنفاسنا ككابوس صلب مديد، شيدته أيادٍ آثمة لا تعرف من الهندسة إلا لغة الأرقام الجافة، ومن الجمال إلا بريق العملات الزائف.
لقد سقطنا بكامل غفلتنا في فخ “السيولة” المدمرة؛ حيث غدت الذاكرة عائقاً وركاماً أمام جرافات “الاستثمار” العمياء التي لا تبقي على أثر ولا تذر. بالأمس القريب، كان لكل جدارٍ عتيق حكاية تعاش، ولكل شجرةٍ وارفة سر دافئ أودعه مراهقٌ هارب من صرامة الواقع وقسوة الأيام، أما اليوم، فقد استُبدلت الأسرار العذبة بالضجيج الصاخب، والحكاية الحية بالبضاعة الكاسدة. المدن التي تفقد ملامحها التاريخية وتتنكر لوجهها القديم هي مدنٌ بلا وجدان، مرايا عاكسة للجشع الإنساني الخسيس الذي حول “المجال العام” من فضاء رحب للتعايش والألفة إلى ساحة مفتوحة للنهب والسمسرة السياسية الدنيئة. إن هذا الزحف العمراني الكاسح ليس إلا “هولوكوست” صامتاً للجمال، حيث تُغتال الحدائق الغناء لتقوم مقامها صناديق خرسانية تفتقر لأدنى حس إنساني، علب صماء تعكس حرارة الشمس الحارقة وتختزن برودة الأرواح الميتة.
إن مأساتنا الحقيقية لا تكمن في تآكل الجدران وتفتت الطوب، بل في اهتراء الضمائر التي تدير هذا المشهد العبثي الرديء. لقد تحولت الثقافة من منارة باسقة للتنوير والهداية إلى مسرح رخيص للدمى، يعتلي خشبتها مثقفون “مُعلّبون” ومزيفون يتقنون فن المداهنة والتزلف لا فك شفرات الألم الشعبي العتيق. حتى الرياضة، التي كانت ملاذاً أخيراً للقيم والنبل، سقطت في وحل المضاربات القذرة، وصار “الوفاء” عملة منقرضة ونادرة في سوق النخاسة الاجتماعية والابتذال. إننا نعيش في “علب كبريت” ضيقة لا تدفئها حرارة الجيرة الطيبة، بل تبردها رياح العزلة والصقيع الروحي، حيث ينمو الفرد كطفيلي معزول عن سياقه وأهله، محاصراً بجدران تزرع في داخله عنفاً رمزياً يترجمه الواقع في قبح السلوك وغياب الذوق العام.
ومع ذلك كله، يظل في غياهب الروح بقية من “عناد صوفي” أصيل؛ رفضٌ كونيٌّ مطلق لأن نكون مجرد أرقام باردة في سجلات الغياب والنسيان. سأظل أقتفي أثر رائحة “التراب المبلل” التي تخبئها الأرض الحنون في أعماقها السرية، بعيداً عن أدخنة المصالح وزيف الواجهات البراقة. إن حبنا الأزلي لهذه الأرض المعطاء هو فعل “مقاومة جمالية” بامتياز، إيمان عميق بأن الصدق الذي يسري في عروق الشرفاء والبسطاء أقوى من كل جرافاتهم وآلاتهم الصماء. إن التغيير الذي ننشده ونموت من أجله ليس دهاناً جديداً ومزيناً للواجهات البائسة، بل هو “أنطولوجيا” ترميم الكيان الإنساني، واستعادة قدسية الإنسان بوصفه جوهر المكان وروحه النابضة.
لن ننحني أبداً لعواصف القبح والخراب، فالتاريخ علمنا بكبرياء أن “الزبد” العمراني الجاف سيهوي جفاءً، وأن شجر الوفاء المثمر سيمد جذوره عميقاً في وعي الأجيال القادمة. المدينة ليست مجرد تقاطع طرق باردة ومكعبات إسمنتية كئيبة، بل هي “قصيدة” خالدة كتبها الأجداد بدموعهم وعرقهم، ولن نسمح للعابثين والمارقين بتمزيق قافيتها أو تشويه بحورها. إننا نحتاج اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى ثورة عارمة في القيم تعيد للزيتونة المباركة هيبتها وللجار القديم كرامته، لعلنا نسترد تلك “الرئة” الخضراء التي سُرقت منا في غفلة من الزمن، لنعود كائنات حية تتنفس الحرية والجمال، لا مجرد ظلال باهتة تعبر مدناً ميتة بلا أرواح. سأبقى أقول في وجه هذا الإسمنت كما قال درويش بنبرته الساحرة: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”. وعلى تراب الفقيه بن صالح الغالي ما يستحق المقاومة بالجمال والكلمة، فليست المدينة حجارة صماء تُحصى، بل هي ذاكرة حية تُعاش، وقصيدة كونية لن يكتمل انكسار قافيتها أبداً.