الألباب المغربية/ محمد خلاف
إلى جيلي العزيز.. إلى أرواحٍ عبرتْ جسر العمرِ بقلوبٍ بيضاء، أهدي أعذب التحايا وأرقّ السّلام..
في هذا العصرِ اللاهث وراء السرعة، حيث ابتلعتْ شاشات “غوغل” دهشة المعرفة، واستحالتِ التربيةُ إلى أرقامٍ وساعاتٍ إضافية مُرهقة.. في زمنٍ مسخت فيه الموضةُ أجساد الشباب بملابسَ ممزقةٍ وقَصّاتِ شعرٍ عجيبةٍ تُنكر الهوية، وصارتِ الثقافة “طاكوس” سريعاً بلا طعم، وسلوكياتٍ هجينة تحكمها ثقافة “التشرميل” والجرأة على القيم..
تلوذ روحي بالفرار نحو الماضي. أغمض عينيّ فأبصر ثانويتي “بئر انزان” و”الكندي”. هناك، لم يكن الأستاذ مجرد ناقلٍ للمعلومة، بل كان أباً، وقدوةً، ومنارةً تُهاب وتُحترم. كانت العلاقة بين التلميذ ومُعلّمه ميثاقاً غليظاً من التوقير، والروابط بين التلاميذ أنفسهم أنقى من ماء المطر؛ زمالةٌ بريئة، وعهودٌ لا تنفصم، ودفءٌ يملأ الفصول الباردة.
اليوم، تتباهى المدن بالقاعات المغطاة، وبالمسابح البلدية الباردة، وبأسواق “مرجان” العملاقة التي تبيع كل شيء إلا الروح. لكنني، وفي غمرة هذا الصخب، أتذكر “منطقة إفران” القديمة؛ أشجارها الباسقة التي كانت تهمس للريح، سواقيها العذبة التي كانت تنساب كقصيدة شعر، والطلبة والتلاميذ وهم يفترشون العشب، يحتضنون دفاترهم بـأملٍ أخضر لا يشيخ. أتذكر حتى الندامى في خلواتهم الصافية، وبقايا لياليهم التي كانت تحمل شجناً إنسانياً نبيلاً، بعيداً عن ابتذال الحاضر.
في زمن التجمعات السكنية الجاهزة مثل “الضحى” حيث البيوت مربعات متشابهة كعلب الكبريت، أستحضر طقوس السوق الأسبوعي القديم. لم يكن مجرد فضاء للتجارة، بل كان مسرحاً للحياة. أرى في ذاكرتي “الحلايقية” يجمعون الناس بالكلمة الطيبة والقصة المثيرة، وأتأمل “سجية الأهالي” وبساطتهم الفطرية التي ترحّب بالغريب وتواسي القريب؛ كرمٌ نابع من أرضٍ معطاءة لا زيف فيها.
لقد تكاثرتِ التجزئات السكنية الحديثة، لكنها عزلت الناس عن بعضهم البعض. قديماً، كان “حي الرجاء” بتصميمه العفوي يجمعنا، وكانت ليلة الثلاثاء في ضريح “سيدي أحمد الضاوي” طقساً روحياً يغسل الهموم. أتنقل بذاكرتي بين “حافير أولاد احديدو” و”لارمود”، حيث كانت “طيبوبة الأهالي” هي القانون الأسمى. علاقات ممتدة، متداخلة، كأغصان شجرة مباركة. لكن، ما إن سكن الناس العمارات العالية، وانغلق كلٌّ وراء بابه الحديدي، حتى انهارت العلاقات، وتفتتت الجيرة، وأصبحنا غرباء في نفس البناية.
يتحدثون اليوم عن “التصميم الجديد” لـ شارع الحسن الثاني وفضاء الفروسية العصري.. أما أنا، فأحنّ إلى احتفالات “عيد العرش” القديمة، ببساطتها وفرحتها الحقيقية النابعة من القلب. أتذكر رائحة شواء “أصحاب الصوصيط” ودخانهم الذي كان يعبق في الأجواء كعطر شعبي، ومستودع “علي الشلح” للخمور بشخصياته الروائية الغريبة، وجلسات الندامى الذين كانوا يبثون لوعتهم للمساء. حتى الفواجع كانت توحدنا؛ فلا زلت أذكر بأسى ذلك الشخص الذي احترق بالكهرباء، وكيف اهتزت المدينة لأجله حزناً وكمداً.
في زمن التطاول والتسابق على البنيان، حيث ناطحات السحاب القزمية تحجب ضوء الشمس، أتذكر حدائق المدينة القديمة بأسوارها الدافئة وأشجارها الوارفة. كان الاحترام والحياء هما الحارسان غير المرئيين بين الجالسين والعابرين؛ فلا تسمع لفظاً نابياً، ولا ترى نظرةً جارحة. وأتذكر حمامات المدينة الشهيرة التي كانت طقساً للتطهير والتواصل الاجتماعي، وأماكن مثل “لوفيس”، “المشهوري”، و”بيرو عراب”.. معالم كانت تنبض بالحياة والهيبة.
في زمنٍ يبدو أنه ليس زماننا، أستحضر رموزاً تركت بصمتها في وجداننا: صالح، فاطمة، فتيحة، وعامر.. كانوا يمثلون، رغم بساطتهم أو محنتهم، رموزاً للثورة، العفة، والاحترام. قديماً، كان “المختل عقلياً” ــ إن سلمنا جدلاً بهذه التسمية ــ يعيش بيننا بأمان، يهاب الناس ويحترم الصغير والكبير، لأن المجتمع كان يحتضنه برحمة. أما الآن، في هذا العصر المشحون بالقسوة، فكم أضحى المجانين والمشردون أكثر خطورة وعنفاً، وكأنهم يمرّون مرآةً تعكس قسوة الشارع وجفاء القلوب.
إليك يا جيلي الطيّب.. يا بقية الزمن الجميل وأنقياء السريرة، أرفع قبعتي، وأقدم أجمل وأصدق تحياتي.. دمتَم ودام حنينُنا وفياً لما كنّاه.