الألباب المغربية/ سعيد موزك
ليس في قصة إبراهيم، وهو يهم بذبح ابنه، ما يستحق كل تلك القداسة التي أحاطت بها الأديان الإبراهيمية، إذا ما نظرنا إليها من زاوية سيكولوجيا البنى المتكررة لا من زاوية التسلسل الزمني، فالسرد الذي ترفعه هذه الأديان رمز للطاعة المطلقة يعيد إنتاج نمط قديم في النفس البشرية، الحاجة إلى تقديم أثمن ما نملك لاسترضاء قوة عليا، يرى بعض النقاد أن القصة الإبراهيمية تسبق النصوص الهوميرية، وهذا صحيح من حيث تاريخ التدوين، لكن المسألة ليست مسابقة في الأسبقية، وإنما مساءلة عن تكرار البنية النفسية ذاتها تحت أتوا بثقافية مختلفة، ذبح الابن، أو الابنة، أو أعز ما لدى الإنسان، ثم التراجع عنه في اللحظة الأخيرة، أو إبداله بكبش، أو ظبية، أو أي كائن آخر، هذا السيناريو تكرر في الحضارات القديمة قبل إبراهيم وبعده، لأنه يجيب عن سؤال قلق مركزي: هل يمكن استرضاء الغيب بتقديم فداء؟

وتسمى هذه الظاهرة “التفكير التعويضي” حيث يعتقد العقل البدائي (والكثير من عقولنا المعاصرة) أنال ألما لمقدم طواعية يمكنه أن يعدل مسار الأقدار، الفرق بين أجام من ونو إبراهيم ليس فارقا في الجوهر، بل فارق في العلامات الثقافية التي صبغت القصة. إيفيجينيا تموت على مذبح الآلهة اليونانية، وإسحاق ينجو بكبش من عند الله، لكن الرغبة النفسية الكامنة متطابقة: البحث عن يقين يهدئ القلق الميتافيزيقي.
أما في المغرب، فقد تحول عيد الأضحى إلى مسرح سوسيولوجي شاسع، يكاد يبتلع أي روحانية باقية، ليس ثمة نص قانوني، ليس ثمة سلطة لا هوتية تجبر أحدا على شراء خروف. غير أن الأسر تراكم ديونها، تحرم نفسها من الضروري، قد تصل إلى حد الذل، خوفا من أن تسقط من لوحة الاستعراض الجماعي للامتثال، الذبح الحقيقي إذ نلم بعد ذلك الذي ينحر في الشوارع، الذبح الحقيقي هو ذبح الوعي، ذبح القدرة على رؤية الأشياء كما هي.
وهنا يحدث التنافر المعرفي ل (Festinger) الإنسان الذي ينفق مالا لا يملكه لشراء خروف لا يقتنع به، يحدث في داخله تنافرا بين سلوكه (الشراء) وبين قناعته الداخلية (أنه لا حاجة لذلك)، لحل هذا التنافر، لا يعترف بأنه خضع للضغط الاجتماعي، بل يحدث لنفسه تبريرا تجديدة، يصبح مقتنعا بعد الذبح بأنه أدى فريضة دينية عظيمة، بل قد يدافع عنها بحماسة أكبر من المؤمن الحقيقي، هكذا يولد التعصب من رحم الرياء.
رينيهجيراردلوكانبيننا، لا بتسمل هذه الطقوس التي تكرس التقليد المحاكي الذي هو أطروحته الكبرى، كلإنسان يرغب في الخروف لأن جاره يرغب فيه، كلإنسان يسفك دما لكي يثبت انتماءه إلى القطيع، تحت وقع التكبيرات، خلف رائحة الشواء والبهارات، تلوح حقيقة شبه لاهوتية: الإنسان لا يعبد الله بقدر ما يعبد نظرات الآخرين إليه.
إن هذه الظاهرة ليست مجرد ضعف أخلاقي أو جهل، إنها آلية دفاع جماعية ضد الخوف من الاستبعاد، الخوف من الاستبعاد (أو مايسمى في علم النفس “الخوف من الإقصاء الاجتماعي”) ينشط في الدماغ في المناطق ذاتها التي ينشط فيها الألم الجسدي، حين يشعر المرء أنه قد يكون الوحيد في محيطه الذي لا يضحي، فإن جهازه العصبي يتعامل مع هذا الاحتمال وكأنه ألم حقيقي، لهذا ترى أناسا يقترضون من البنوك لشراء خروف لا يحتاجون إليه، ثم يوزعونه أو يلقون به في الثلاجة شهورا، الهدف ليس اللحم، الهدف هو تجنب الألم الإجتماعي.
المفارقة هنا تكمن في الإسقاط، الإنسان الذي يذبح خروفا في العيد لايكتفي بفعل الطاعة، إنه يسقط على الخروف كل ما يريد قتله في نفسه: ضعفه، خوفه من الموت، رغباته الدنيا، فبتكرار هذه الطقوس سنة بعد سنة، يخدع الإنسان نفسه بأنه يذبح شيئا من داخله، لكنه في الحقيقة لا يذبح شيئا سوى حيوان مسكين لا ذنب له، القاتل الحقيقي الذي يبقى حيا هو النرجسية الجمعية التي تجعل كل فرد يرى نفسه بطلا للطاعة، بينما هو في الحقيقة عبد للنمط.
أظن أن الخروف الأكثر تضحية في ذلك اليوم ليس ذلك الحيوان المسكين الذي يذبح على عتبة الدار، الخروف الحقيقي هو ذاك الذي يختبئ خلف الوجوه، يثغو بصمت داخل كل صدر، إنه خروف بانورجالأبدي، يتبع القطيع دون أن يدري، ولعل أخلص ما يمكن قوله في صفوة هذا التحليل: لتنتهي طقوس الذبح على الأرض ما دام الإنسان لم يجرؤ على ذبح ما هو أخطر منها، وهي رغبته الأبدية في أن يكون مثلا لآخرين.