الألباب المغربية/ بدر شاشا
يشهد العالم اليوم ثورة رقمية غير مسبوقة يقودها الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح أحد أهم الأدوات القادرة على تطوير مختلف القطاعات، وفي مقدمتها قطاع التعليم العالي. وفي المغرب، حيث يتزايد عدد الطلبة الجدد سنويًا، تبرز الحاجة الملحة إلى اعتماد حلول ذكية تساعد على التوجيه السليم للمتعلمين، بما يضمن توافق اختياراتهم الدراسية مع مؤهلاتهم وقدراتهم ومتطلبات سوق الشغل.
إن مرحلة الانتقال من التعليم الثانوي إلى التعليم العالي تعتبر من أهم المراحل في المسار الأكاديمي للطالب. فكثير من الطلبة يجدون أنفسهم أمام عشرات التخصصات والمسالك الجامعية دون امتلاك معلومات كافية لاتخاذ القرار المناسب، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى اختيار تخصصات غير ملائمة، وينتج عنه الهدر الجامعي أو تغيير المسار الدراسي بعد سنوات من الدراسة.
في هذا السياق، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يشكل ثورة حقيقية في مجال التوجيه الجامعي بالمغرب. فمن خلال تحليل نتائج الطالب الدراسية، وميوله الشخصية، ومهاراته، واهتماماته، يستطيع النظام الذكي تقديم اقتراحات دقيقة حول التخصصات المناسبة له، مع عرض فرص التشغيل المستقبلية المرتبطة بكل مسار.
كما يمكن للمنصات الذكية أن توفر للطلبة معلومات آنية ومحدثة حول الجامعات والمعاهد والمدارس العليا، وشروط الولوج إليها، وآفاقها المهنية، ونسب الإدماج في سوق الشغل، مما يساعد على اتخاذ قرارات مبنية على معطيات موضوعية بدل الاعتماد على الإشاعات أو الاختيارات العشوائية.
ومن بين المزايا المهمة للذكاء الاصطناعي كذلك قدرته على تحقيق العدالة المجالية في التوجيه. فالطلبة في المناطق القروية أو النائية يمكنهم الاستفادة من نفس جودة الخدمات التوجيهية التي يحصل عليها نظراؤهم في المدن الكبرى، عبر منصات رقمية متاحة للجميع وعلى مدار الساعة.
ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على توجيه الطلبة الجدد فقط، بل يمكن أن يمتد إلى تتبع مسارهم الجامعي، ورصد مؤشرات التعثر الدراسي، واقتراح حلول استباقية للحد من الانقطاع عن الدراسة، مما يساهم في تحسين جودة التعليم العالي ورفع نسب النجاح والتخرج.
إن المغرب، الذي يراهن على الرقمنة والتحول الرقمي في إطار النموذج التنموي الجديد، مدعو اليوم إلى الاستثمار بقوة في أنظمة التوجيه الذكية داخل المدارس والجامعات ومراكز التوجيه، من خلال تطوير منصات وطنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتتكامل مع قواعد بيانات وزارة التعليم العالي ومؤسسات التكوين وسوق الشغل.
إن مستقبل التعليم العالي المغربي يمر عبر توجيه أكاديمي ومهني أكثر دقة وفعالية، والذكاء الاصطناعي يمثل فرصة تاريخية لتحقيق هذا الهدف. فالتوجيه الصحيح لا يساعد الطالب فقط على اختيار تخصصه، بل يساهم في بناء رأسمال بشري مؤهل، قادر على الإبداع والمنافسة والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمملكة.
لذلك، فإن اعتماد الذكاء الاصطناعي في توجيه الطلبة الجدد لم يعد خيارًا تقنيًا فحسب، بل أصبح ضرورة وطنية لضمان تعليم عالٍ أكثر إنصافًا ونجاعة وارتباطًا بحاجيات المغرب المستقبلية.