الألباب المغربية/ عبد القادر العفسي
حينما تصبح السياسة مجرد محاكاة ساخرة للسلطة، وتتحول المؤسسات إلى أجهزة لإنتاج العنف الرمزي الذي يمتص إرادة الجماهير ويحولها إلى صمت مطبق، ندرك أننا أمام حالة من الاستلاب الوجودي الذي يتجاوز مجرد الفشل التدبيري.
إن دعمنا لترشحك في إقليم العرائش السيد نزار بركة لم يكن نابعا من سذاجة سياسية، بل كان محاولة لكسر الأصنام الذهنية التي كبلت هذا الإقليم لعقود، ظنا منا أنك تمتلك المكر الضروري لتحويل اليوتوبيا الممكنة إلى واقع ملموس…
لكننا اليوم، وبعد خمس سنوات من العزلة المؤسساتية والجمود الفكري، نكتشف أننا كنا نؤثث فضاء من الأوهام أمام بنية سلطوية تمارس المراقبة دون الإنجاز، وتستثمر في المنطقة الرمادية حيث تضيع المسؤوليات وتذوب الوعود في رمال الانتظار القاتل.
إن ما نعيشه في العرائش اليوم هو تجسيد حي لفيزياء السلطة التي تخلت عن وظيفتها التنموية لتتحول إلى مجرد أداة للاستحواذ على الزمن الوطني ! لقد تحول مستشاروكم إلى أجساد مطيعة داخل آلة حزبية أصابها العقم، لا تنتج سوى السواد البني والتيه السياسي، في مشهد يذكرنا بضياع السيادة حين تتحول الدولة في ذهن المسؤول إلى غنيمة يتم تقاسمها بعيدا عن أعين الرعية.
بالتالي، كيف لوزير يترأس قطاعا حيويا أن يترك إقليمه يغرق في هشاشة البنية التحتية، بينما تظل القنطرة الموعودة مجرد شبح يطارد خيال الساكنة، ومحطة القطار السريع مجرد حلم تم اغتياله في مهد التوازنات الحكومية الضيقة؟ إنك يا نزار، ومن خلال موقعك في حكومة التي سارعت من وتيرة السقوط الاجتماعي بينما جلالة الملك ورجالات الدولة يقاومون هذا الانزياح، لم تكتف بالغياب، بل مارست الخداع السياسي عبر نسب مشاريع الدولة البسيطة لنفسك بالاقليم ، في محاولة بائسة لترميم رأس مالك الثقافي والرمزي السياسي المنهار، وهو ما يتنافى مع أبسط قواعد العقد الاجتماعي الذي يفترض الصدق والشفافية.
لقد توهمنا أننا أمام أمير ميكيافيلي يمتلك الفضيلة والقدرة على تطويع القدر لصالح العرائش، فإذا بنا أمام ظلال باهتة لا تقوى على الترافع أو الفعل ! حتى مشروع الشرفة الأطلسية، ذلك الأثر المشوه الذي تداخلت فيه الإرادات الوزارية والوكالات التنموية، ظل شاهدا على عجزكم البنيوي، فكيف لعقل يدعي التخطيط الاستراتيجي أن يعجز عن إتمام خمسين مترا من انجاز الحاجز المائي ؟ هل أنت حقا ممثل لهذا الإقليم المنكوب، أم أنك مجرد سيمولاكر سياسي يظهر في الصور ويختفي عند الأزمات؟
إن غيابك المتواصل وعدم تواصلك ليس مجرد تقصير إداري، بل هو قطيعة إبستمولوجية مع ساكنة وثقت بك فكان جزاؤها الاستلاب وارتفاع منسوب العنف الرمزي الذي تمارسه عدة جهات وأطراف لا تربطها بالمكان غير تكميم اللسان وتفريغ الروح وامتصاص الهواء منا غصبا… وتنظيمكم هنا شارك في هذه الجرائم الرمزية! لقد سقطت الأقنعة، وانكشف زيف الخطاب الذي يدعي الدفاع عن الكرامة، بينما الواقع يؤكد أن هنالك تروس في آلة تلتهم الوطن والشعب دون رحمة.
واليوم ونحن ننظر إلى أطلال وعودك في العرائش السيد نزار بركة، ندرك أن السؤال لم يعد ماذا قدمت؟، بل كيف تجرأت على بيعنا الوهم بكل هذا البرود؟ إن التاريخ لا يرحم الذين يختبئون خلف التبريرات التقنية بينما يغرق الناس في التيه، واعتذارك اليوم لن يجبر كسر الثقة، لأنك ببساطة لم تفشل في الترافع عن الإقليم او المدينة، بل فشلت في أن تكون إنسانا سياسيا يمتلك الحد الأدنى من الوفاء لتعاقداته.
السيد نزار بركة نعلم أن الكل فراغ، ندعوك أن لا تشارك في الفراغ الذي تعيه ! وهي دعوة ضمنية لتنازل عن الترشح في إقليم العرائش، فالعرائش لم تعد تحتمل اللعب بالحلم، والوطن لم يعد يتسع للمداعبة أو المشاغلة، وستبقى خمس سنواتك هذه وصمة عار في سجل حزب كان يوما ما يمثل أملا، فأصبح اليوم يمثل صدمة تفوق كل التوقعات.