الألباب المغربية
أحياناً تسبق الكلماتُ الجدرانَ. وأحياناً أخرى تجعلها مقبولة. يمثل إطلاق البيت الأبيض لمنصة Aliens.gov مرحلة جديدة في تطبيع وصم المهاجرين داخل الولايات المتحدة. فخلف الواجهة المستوحاة عمداً من عالم الخيال العلمي – الصحون الطائرة، والفضاءات الكونية، والإشارات إلى “الكائنات الفضائية” -تختبئ في الواقع عملية سياسية عميقة الدلالة: تحويل الأجنبي رمزياً إلى كائن مهدِّد، غريب عن الإنسانية نفسها.
إن اختيار هذا المصطلح ليس بريئاً. ففي اللغة الإدارية الإنجليزية، يشير لفظ Alien تاريخياً إلى “الأجنبي”. لكن في المخيال المعاصر، تحيل الكلمة مباشرة إلى صورة الكائن الفضائي: المجهول، والمقلق، والغازي. ومن خلال اللعب على هذا الالتباس اللغوي، يساهم الخطاب السياسي في إعادة إنتاج آلية قديمة من آليات نزع الإنسانية، تقوم على تقديم بعض الفئات البشرية لا باعتبارها أشخاصاً، بل باعتبارها أجساماً غريبة داخل الأمة.
غير أن التاريخ يعلّمنا أن سياسات الإقصاء نادراً ما تبدأ بالعنف المادي. فهي تبدأ أولاً بالكلمات، والصور، والسرديات. فقبل أن يُطرَد المهاجرون أو يُحتجزوا أو يُميَّز ضدهم، يجري أولاً تصويرهم كتهديد جماعي. يتحولون إلى “غزو”، و”تدفقات”، و”جحافل”، و”مهاجرين غير شرعيين”، ثم اليوم إلى “كائنات فضائية”.
هذا الخطاب ليس مجرد استفزاز سياسي. بل ينتج آثاراً اجتماعية وسياسية عميقة. فعندما يُشبَّه المهاجرون بكائنات دخيلة على الجسد الوطني، يصبح من السهل تبرير توسيع الأجهزة الأمنية، وتشديد السياسات الحدودية، ومراقبة الأجانب بشكل معمّم. فالمنصة تعرض خريطة تفاعلية لعمليات توقيف المهاجرين من قبل شرطة الهجرة الأمريكية (ICE)، كما تشجع المواطنين على التبليغ عن “الأجانب المشبوهين”. وهكذا تتحول الشبهة إلى ممارسة مؤسساتية، ويصبح التشهير والوشاية أمراً عادياً.
الأخطر من ذلك أن هذه الصورة تغذي مناخاً من الخوف والكراهية داخل مجتمع يعيش أصلاً حالة استقطاب حاد. فالمهاجر لم يعد يُنظر إليه كعامل، أو طالب، أو لاجئ، أو فرد من عائلة، بل كرمز مجرد للخطر. وهذا الانزلاق يساهم في نزع الإنسانية تدريجياً عن المهاجرين، بحيث تصبح معاناتهم غير مرئية أو ثانوية أمام الخطاب الأمني.
مع ذلك، فإن الواقع الهجروي أكثر تعقيداً بكثير من الشعارات السياسية. فالمهاجرون يساهمون منذ عقود في تشغيل الاقتصادات الغربية: في الزراعة، والبناء، والرعاية الصحية، والمطاعم، والخدمات اللوجستية، والبحث العلمي، والتكنولوجيا. والمفارقة أن الدول نفسها التي تُجرِّم بعض أشكال الهجرة تعتمد اقتصادياً على اليد العاملة الأجنبية. وهذا التناقض يكشف منطقاً انتقائياً واضحاً: يُقبل المهاجر كقوة عمل، لكنه يُرفض كإنسان كامل الحقوق وكفاعل سياسي.
وربما تكمن الخطورة الأكبر في تطبيع هذا النوع من الخطابات داخل المؤسسات الديمقراطية نفسها. فعندما تتبنى الحكومات الرسمية رموز الخوف والكاريكاتور، فإنها تدفع حدود النقاش العام نحو مزيد من التطرف. وما كان يُعتبر بالأمس خطاباً هامشياً أو متطرفاً يصبح تدريجياً مقبولاً، ثم عادياً.
إن القضية تتجاوز الحالة الأمريكية بكثير. ففي أنحاء عديدة من العالم، تتصاعد الخطابات التي تربط الهجرة بالخطر الأمني وفقدان الهوية. وفي أوروبا كما في غيرها، يُختزل المهاجرون غالباً في أرقام وإحصائيات ومشكلات ينبغي احتواؤها. ولم تعد الحدود مجرد أدوات لتنظيم التنقل، بل أصبحت أيضاً أدوات رمزية للتمييز بين من يُعتبرون جزءاً كاملاً من الإنسانية ومن يُوضَعون خارجها.
أمام هذا الانحدار، يصبح من الضروري إعادة التأكيد على حقيقة أساسية: المهاجر ليس تهديداً مجرداً ولا “كائناً فضائياً”. إنه إنسان يحمل حقوقاً، وتاريخاً، وكرامة، وغالباً ما يحمل معه مساراً مثقلاً بالعنف أو اللامساواة أو الأمل في حياة أفضل.
إن نزع الإنسانية عن المهاجرين لا يعني فقط استهداف فئة هشة، بل يهدد أيضاً المبادئ الديمقراطية ذاتها. لأن المجتمع الذي يقبل تصوير بعض البشر باعتبارهم غرباء عن الإنسانية، ينتهي دائماً إلى تطبيع أشكال أخرى من الإقصاء.