الألباب المغربية/ محمد خلاف
في تلك الزاوية الشفافة من الروح، حيث لا يزال غبار “بني عمير” يتهادى على أهداب الذاكرة كعطر أزلي، أجدني اليوم غريباً في مملكة الإسمنت الباردة. أفتش بلهفة العاشق عن ملامح “لاربعا”؛ تلك التي لم تكن يوماً مجرد خريطة من تراب، بل كانت قصيدة كرامة شادها الطين وعمرها الحب.
أحن إلى زمن لم تكن للبيوت فيه أسوار تعلو على قامات القلوب.. كانت أزقة “حي الرجاء”، و”سيدي أحمد الضاوي”، و”لارمود” تشرع صدورها للريح والراحلين قبل المقربين، وكان الرغيف الساخن يتهادى بين الجيران كرسالة حب دافئة، قبل أن تسود برودة الإسمنت، وتستبد بنا جفوة العمارات الموصدة. كيف تسلل الوقت من بين أصابعنا لنسكب أرواحنا خلف شاشات صماء، بينما كانت “الزنقة” يوماً هي الصالون الأرحب، تجمع حكايات أمهاتنا الموشومة بالصبر، وحيث كانت الضحكة العفوية تغنينا عن كل بهرجة زائفة!
يا لغبار الخيول والعربات المجرورة في شوارع المدينة القديمة، كيف كان يخط ملاحم الكبرياء فوق أديم الأرض! لا تزال نفحة “الشوا” في خيام السوق الأسبوعي (مكان الضحى حاليا) تسكن وجداني، أشهى من كل الموائد المزدانة بأضواء النيون الحزينة.
أتذكر “الحلايقية” وهم ينسجون من الخيال سحراً يدهش القلوب، وأتذكر “سجية” الفلاح الآتي من أعماق “بني موسى” و”بني شكدال”؛ ذاك الذي كان يختزن الشرف في تجاعيد جبهته، والصدق في عينين لم تلوثهما حيل الشباك ولا زيف المظاهر.
كانت المقاهي كمقهى “فرنسا”، و”بوخرواعة”، و”العصافير” محاريب للدفء والكلمة الطيبة، تفيض بوجوه تقرأ الحياة في عيون الرفاق لا في شاشات الهواتف.
وهناك، كانت سواقي “إفران” تحرس أولى نبضات الحب العذري، الذي كان يكتفي بلمحة حياء خلف الجدران، قبل أن تباع المشاعر في زوايا الصور العابرة.
وحين يمر طيف المؤسسات العريقة… التغناري و بئر انزران والكندي، وابن خلدون ، و2 مارس ،،،،ينحني النبض إجلالاً لزمن الجد والاجتهاد حيث كانت تذاب الفوارق، فلا يتمايز أبناء المدينة إلا بالصفاء والمثابرة.
كان المدرس هناك قديساً يكتب بنور قلبه دروب الأمل، وكان وقار احترامه يسبقنا إلى الفصول. لقد استسقينا الكرامة من تلك الساحات، وتعلمنا أن الحب يبدأ من مقاعد الخشب العتيقة.
وحتى أولئك البسطاء صالح وفاطمة وفتيحة وتودا وكريكر…. رموز أزقتنا الذين كانوا ملح الأرض، كان لهم في سويداء القلوب عرش مقيم؛ كان “المختل” بينهم يحاط بأكف الرحمة، بينما يرتدي “العاقل” اليوم أقنعة الرياء.
سلام على “لاربعا” التي تسكننا كلما أمعنا في الرحيل.. سلام على “سيدي الجيلالي”، و”سيدي خلخال”، و”سيدي أحمد الضاوي”، وعلى صمود شربناه مع حليب الأمهات الصابرات.
نحن اليوم، ورغم أناقة الأرواح المسجونة في ثياب الحداثة، نرتجف برداً لأننا أضاعنا ذاك الدفء الذي كان يتدفق مع مياه السواقي. إننا لا نبكي الجدران، بل نبكي الإنسان الذي كان يرى في جاره قبساً من روحه، وصار اليوم يكتفي برسالة الكترونية باردة.
يا مدينة النية والكرم، عذراً إن أغوتنا أضواء لا تدفئ؛ فما زلنا كلما أرهقنا الجفاء، نغمض أعيننا لنعود أطفالاً نركض في أزقتك العتيقة، حيث كانت السعادة لا تحتاج ثروة، بل تكتفي بقلب يتسع للكون. سيظل صوت أذان “المسجد الأعظم” يشدنا إلى طيننا الأول، وسيظل حنيننا لغبارك هو العطر الوحيد الذي يبلسم جراح الغربة.