الألباب المغربية/ ذ. برعي محمد
تتحرك الكاميرا فوق أسوار مكناس العتيقة لتلتقط مشهداً دراميا ينبض بجدل لا يقل سخونة عن الأعمال المعروضة على الشاشة؛ جدل تتداخل فيه الأصوات وتختلط فيه الأدوار تحت منطق مضمر يسوده الامتناع والاتهام: “حلال على طرف، حرام على آخر”. غير أن الحقيقة التي تفرض نفسها في مسرح التدبير العمومي والفعل الثقافي هي أن لكل فاعل زاوية رؤيته، ولكل طرف اختصاصه الذي لا يجوز مصادرته أو تقزيمه.
حين يقف السياسي تحت قبة المجلس يناقش جدول الأعمال بلسان القانون ومسؤولية الانتداب، فإنه يتحرك داخل سياق طبيعي ومشروع تمليه عليه وكالته الانتخابية، فموقفه ليس ترفا أو عرقلة، بل هو ممارسة لوظيفة رقابية واضحة تهدف إلى إعمال منطق “التدبير بالنتائج”، وصيانة الميزانية الجماعية عبر دفاتر تحملات تؤمن التوازن بين القطاعات الخدماتية والمشروعات الثقافية، و من ثم لا يمكن اختزال موقفه أو محاكمته اقتطاعا من شريط فيديو معزول؛ فالكلام كالمشهد السينمائي، يفقد معناه الحقيقي حين ينتزع من شريطه الزمني والفكري، في المقابل، حين يستميت الفاعل الجمعوي أو الفنان الشريك في الدفاع عن مشروعه الثقافي، فهو لا يمارس ترفا ولا تجاوزا، بل يؤدي دوره الطبيعي في حماية جنينه الإبداعي، في تبادل صحي للأدوار يجب أن يعلو فيه الاحترام المتبادل فوق كل شقاق.
خمس عشرة دورة مرت من عمر مهرجان مكناس للدراما التلفزية، تاركة خلفها أثرا يرفض الخضوع لمنطق الأرقام الجافة وحدها.
فمشروع بهذا الحجم لم يعد ملكا لحظة محلية ضيقة، بل أضحى مشروعا وطنيا بامتياز، تقتضي المسؤولية مناقشته من بوابة أثره الممتد على المدينة وبناتها وأبنائها، وعلى وجهة الجهة وإشعاع المغرب الثقافي،لا يمكن تقييم الفن بميزان الحسابات المحاسباتية الصرفة، كما لا يمكن تسييجه عن التمحيص والنقد خلف هالة من العصمة الزائفة؛ الفن والجمال قيم سامية، لكن عندما يمول المهرجان من مالية الجماعة أو الدولة، فإنه يتحول تلقائيا من فعل إبداعي محض إلى مشروع تدبيري يخضع لميزان التقييم والمساءلة.
وهنا يأتي دور الإعلامي، الذي يحمل عدسته الناقدة ليفكك المهرجان فنيا وتنظيميا واجتماعيا بمنطق التدبير بالنتائج؛ فالنقد ليس خصومة، بل هو الضوء الذي يصحح زاوية الالتقاط ويمنع الصورة من الضبابية، وللمواطن المغربي والمكناسي “هاهنا” على وجه الخصوص، وهو يتابع هذا الصخب من أزقة المدينة ونوافذها، كل الحق في أن يطرح أسئلته العفوية العميقة: هل الدراما التلفزيونية التي قُدمت للجمهور عبر الشاشات ونالت موافقة لجان البث ورضى الملايين، تحتاج فعلا إلى مهرجان آخر يحتفي بها؟ هل المهرجان منصة حقيقية لتجويد الأفكار وتفكيك الخطاب الفني، أم أنه طقس احتفالي لتوزيع الأكاليل؟ ومن المكرَّم الحقيقي في النهاية: هل هو الفريق الفني الذي استوفى أجره المادي والمعنوي من العرض التلفزيوني الأول، أم المتلقي الذي منح من وقته ووجدانه لرسم نجاح هذه الأعمال؟
وحين تترافع الأصوات وتتعدّد قراءاتها من كل الأطراف والزوايا، فإن الانزلاق الجسيم يكمن في وصم أصحابها بـ “أعداء النجاح” أو “خصوم المبادرات”؛ فهؤلاء المرتفعة أصواتهم لم يجتمعوا لإطفاء شعلة الثقافة، بل استوعبوا بدقة وعمق حقيقة المغرب الجديد: مغرب تعتلي فيه المحاسبة مرتبة المبدأ الأول والأخير، وطالما أن أي مشروع إبداعي يتحمل أمانة المسؤولية ويصرف من المال العام، فليس عيبا أن نتساءل أو نراجع أو نضع الحصيلة على محك التدقيق؛ فالمال العام ملك للجميع، والمساءلة حوله حق مكفول وواجب أخلاقي، ولا يستقيم مطلقا التشكيك في نوايا هؤلاء المعبئين بغيرة حقيقية على مدينتهم ومالها العام، لأن من يسائل إنما يمارس مواطنة واعية لا عداء كينونيا.
إن التعامل مع الدعم العمومي كحقّ مكتسب يمنع التساؤل حوله يبتعد تماما عن الرسالة الحضارية للفكر والجمال، ويضع الفعل الجمعوي في موقف يتناقض مع روح المواطنة الواعية؛ فالإبداع الذي يخشى الضوء والمساءلة يفقد شروطه الأخلاقية، ولن تكسب العاصمة الإسماعيلية رهانها الثقافي إلا حين يدرك الجميع أن قمة النضج الفكري تكمن في شجاعة الخضوع للتقييم، وأن المبدع الحقيقي هو من يرى في الشفافية رافعةً لكرامة الفن لا تهديدا لوجوده.
لقد ربحت مكناس مهرجانا على مدى خمسة عشر عاما، هذا أمر لا مراء فيه، لكن السؤال الشاخص في العتمة هو: من أي زاوية كسبته؟ هل كسبته كواجهة إعلامية عابرة تنتهي بانطفاء أضواء المنصة، أم كفعل ثقافي مستدام المشهد.
إلا حين يحترم كل طرف مساحة الآخر في الإخراج، لتبقى العاصمة الإسماعيلية هي البطل الحقيقي الذي تستحق أن تكتب من أجله سيناريوهات أكثر نضجا ومسؤولية يترك بذاره في أرض المدينة ويغير في بنيتها الروحية والاقتصادية؟ إن إنصاف مكناس ومهرجانها يتطلب الخروج من ثنائية المنع والمنّ، والاعتراف بأن السياسي والفنان والإعلامي والمواطن هم أبطال هذا النص المفتوح، ولا يكتمل المشهد إلا حين يحترم كل طرف مساحة الآخر في الإخراج، لتبقى العاصمة الإسماعيلية هي البطل الحقيقي الذي تستحق أن تكتب من أجله سيناريوهات أكثر نضجا ومسؤولية.