الألباب المغربية/ خديجة بوشخار
مع اقتراب فصل الشتاء وما يحمله من تحديات مناخية، وضعت سلطات إقليم بني ملال ملف حماية الساكنة بالمناطق الجبلية في صلب أولوياتها، من خلال إطلاق ترتيبات استباقية تروم الحد من تداعيات موجات البرد والتساقطات المطرية والثلجية، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية وتفادي انقطاع الطرق وعزلة التجمعات السكنية.
وفي هذا السياق، ترأس محمد بنرباك، والي جهة بني ملال خنيفرة، عامل إقليم بني ملال، أمس الاثنين 2 نونبر 2026، اجتماع اللجنة الإقليمية لليقظة والتخفيف من آثار موجة البرد، خصص لتقييم مستوى الاستعداد وتنسيق تدخلات مختلف القطاعات المعنية برسم الموسم الشتوي 2026-2027.
وشهد هذا الاجتماع، حضور كل من الكاتب العام للعمالة، والكاتب العام، رئيس قسم الشؤون العامة بالولاية، والكاتب العام للشؤون الجهوية، وممثلي المصالح الأمنية، ونائب رئيس مجلس الجهة، ورئيس المجلس الإقليمي، ورؤساء الجماعات الترابية المعنية، فضلاً عن رؤساء المصالح الخارجية، حيث شكل اللقاء مناسبة لاستعراض التدابير الميدانية والإمكانيات البشرية واللوجستية والصحية التي يتعين تعبئتها لمواجهة الظروف المناخية الصعبة.
وأكد والي الجهة، في كلمته التوجيهية، أن هذه الاستعدادات تأتي تنفيذاً للتعليمات الوزارية الرامية إلى التفعيل المستمر للتوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، المتعلقة بالعناية بالساكنة المتضررة من موجات البرد والتقلبات الجوية، ولاسيما القاطنة بالمناطق الجبلية، عبر اعتماد مقاربة استباقية تضمن التدخل في الوقت المناسب وتوفر الحماية والمساعدة للفئات الأكثر عرضة للمخاطر.
وفي هذا الإطار، كشف بنرباك، أن المخطط الإقليمي لليقظة يشمل 75 دواراً وتجمعاً سكنياً تقع على علو يتجاوز 1500 متر، وتضم 7651 أسرة، أي ما مجموعه 36 ألفاً و372 نسمة، موزعين على تسع جماعات ترابية، هي “بوتفردة”، و”تيزي نيسلي”، و”أغبالة”، و”ناوور”، و”آيت أم البخث”، و”تاكزيرت”، و”تانوغة”، و”فم العنصر”، و”فم أودي”.
وأوضح أن الطبيعة الجغرافية الوعرة لهذه المناطق، إلى جانب الانخفاض الحاد في درجات الحرارة واحتمال انقطاع الطرق والمسالك بفعل التساقطات الثلجية، تفرض تعبئة مبكرة للموارد المتاحة، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، بما يضمن سرعة الاستجابة للحالات الطارئة وتفادي انعكاسات العزلة على الحياة اليومية للسكان.
وعلى المستوى الصحي، شدد والي الجهة على ضرورة ضمان توفر الأدوية والمواد الطبية الأساسية، مع إيلاء اهتمام خاص لمرضى الأمراض المزمنة، وتعزيز الخدمات الصحية بالمراكز القروية، فضلاً عن برمجة وحدات طبية متنقلة وقوافل صحية متعددة التخصصات، في إطار برنامج “رعاية” الذي يمتد من 15 نونبر إلى 30 مارس من كل سنة، ويستهدف المناطق التي تعرف انخفاضاً كبيراً في درجات الحرارة.
كما أكد ضرورة تكثيف العناية بالنساء الحوامل والمسنين والأشخاص في وضعية هشاشة، من خلال ضمان التتبع الصحي المنتظم والتدخل السريع عند تسجيل حالات استعجالية، مع إرساء التنسيق اللازم بين مصالح الدرك الملكي ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية لتأمين عمليات الإسعاف والإجلاء، والاستعانة بالمروحيات عند الاقتضاء.
أما بخصوص مواجهة العزلة، فقد دعا بنرباك إلى وضع مختلف الآليات والمعدات رهن إشارة التدخلات الميدانية لإزالة الثلوج وإعادة فتح الطرق والمسالك، سواء التابعة للمؤسسات العمومية أو المتوفرة لدى الخواص، مع توفير الاعتمادات الضرورية لاقتناء الوقود وضمان الجاهزية المستمرة للمعدات، بما يسمح باستعادة حركة السير وتأمين تنقل الأشخاص ووصول المواد التموينية إلى المناطق المتضررة.
ولم تقتصر التدابير المعلن عنها على الجوانب الطرقية والصحية، بل امتدت لتشمل تأمين الحاجيات اليومية للساكنة، من خلال ضمان التزويد المنتظم بالمواد الغذائية الأساسية ووسائل التدفئة، والحفاظ على السير العادي للمؤسسات التعليمية بالمناطق الجبلية، عبر توفير حطب التدفئة والأغطية اللازمة للداخليات ودور الطالب، إلى جانب بحث إمكانية توفير الأعلاف بالكميات الكافية لفائدة مربي الماشية، بالنظر إلى أهمية النشاط الفلاحي والرعوي في تأمين مصادر عيش الأسر بهذه المناطق.
وفي الشق الاجتماعي، دعا والي الجهة إلى تكثيف عمليات رصد الأشخاص بدون مأوى، والعمل على إيوائهم والتكفل بهم داخل مؤسسات الرعاية الاجتماعية، مع توفير التغذية والخدمات الصحية الضرورية، حماية لهم من المخاطر المرتبطة بالانخفاض الشديد في درجات الحرارة.
ومن بين المستجدات التي توقف عندها الاجتماع، كشف بنرباك، أن وزارة الداخلية تعمل على إعداد برنامج تكميلي للإنذار المبكر تحت اسم INDAR.MA، يعتمد على وسائل الاتصال الرقمية والهواتف المحمولة لإرسال تنبيهات صوتية ومكتوبة إلى المواطنين الموجودين بالمناطق المشمولة بالإنذارات الجوية، بهدف تمكينهم من اتخاذ الاحتياطات اللازمة قبل وقوع المخاطر. وأشار إلى أن المصالح المختصة تجري حالياً تجارب ميدانية على هذا النظام، في إطار تطوير آليات التواصل والوقاية وتعزيز الاستعداد لمواجهة الحالات المناخية الاستثنائية.
وفي سياق تقييم التجربة السابقة، شدد والي الجهة على ضرورة استثمار الملاحظات والدروس المستخلصة من الموسم الشتوي الماضي، والرفع من فعالية التدخلات خلال الموسم الحالي، مع إبراز الدور الأساسي للجان المحلية لليقظة، التي تشتغل تحت إشراف الباشوات ورؤساء الدوائر، وبمشاركة رؤساء الجماعات الترابية ومختلف المصالح اللاممركزة للدولة والسلطات الأمنية.
وفي هذا الصدد، وجه تعليماته إلى الباشوات ورؤساء الدوائر من أجل عقد اجتماعات اللجان المحلية خلال اليومين المقبلين، وإعداد تقارير ميدانية دقيقة تتضمن تقييماً للوضعية والإجراءات المتخذة ومستوى الاستعداد، مع إحالتها على مصالح الولاية، قصد تحديد مكامن الخصاص ومعالجة الاختلالات المحتملة قبل دخول فترات البرد القارس.
وتعكس هذه التدابير حجم التحديات التي تواجهها المناطق الجبلية بإقليم بني ملال خلال فصل الشتاء، حيث لا تقتصر تداعيات التساقطات الثلجية وموجات البرد على صعوبة التنقل، بل تمتد إلى التزود بالمواد الأساسية، والحصول على الخدمات الصحية، واستمرارية الدراسة، فضلاً عن الأنشطة الفلاحية ومصادر عيش الساكنة.
وبينما تتجه الاستعدادات نحو تعبئة مختلف الإمكانيات وتوحيد جهود المتدخلين، يظل التحدي الحقيقي مرتبطاً بمدى تحويل هذه التدابير إلى تدخلات ميدانية سريعة وفعالة، قادرة على الاستجابة لحاجيات السكان في الوقت المناسب، وضمان عدم تحول التقلبات المناخية إلى مصدر للعزلة والمعاناة، خاصة بالنسبة للأسر القاطنة بالدواوير الأكثر عرضة لمخاطر البرد والتساقطات الثلجية.