الألباب المغربية/ الدكتور حسن شتاتو
مع كل اقتراب لعيد الأضحى، يعود المشهد نفسه في كثير من المجتمعات الإسلامية: توتر، قروض، تسوّل، تباهٍ، ومزايدات اجتماعية أفرغت شعيرة الأضحية من كثير من معانيها الروحية، حتى صار البعض يظن أن قيمة المسلم تُقاس بحجم الكبش الذي يذبحه لا بحجم التقوى التي يحملها في قلبه.
والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن الأضحية، في الفقه المالكي وغيره من مذاهب أهل العلم، سنة مؤكدة للمستطيع، وليست فرضًا على الفقير أو المحتاج.
فالذي لا يملك إلا قوت عامه، أو كانت الأضحية ستوقعه في الضيق والدَّين، فلا تُسن له أصلًا. بل إن الإقدام عليها مع الإضرار بالنفس والأهل يناقض مقاصد الشريعة التي قامت على رفع الحرج وحفظ الكرامة الإنسانية.
ولهذا فإن المشاهد التي نراها اليوم من استدانة بالربا، أو بيع لأثاث البيت، أو تسوّل علني من أجل شراء الأضحية، ليست مظاهر تدين، بل مظاهر خلل عميق في فهم الدين.
فكيف يُطلب الأجر من عبادة يُرتكب من أجلها الحرام ؟
وكيف يمدّ إنسان يده للناس من أجل سنة ليست واجبة عليه أصلًا ؟
إن الله لا يريد من عباده أن يذلّوا أنفسهم من أجل خروف، ولا أن يدخلوا في الربا من أجل إرضاء المجتمع.
فالعبادة التي تُبنى على الرياء أو المال الحرام أو إذلال النفس تفقد روحها ومعناها.
وقد فهم الصحابة هذه الحقيقة بعمق عظيم؛ لذلك كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يتركان الأضحية أحيانًا حتى لا يعتقد الناس أنها فرض لازم، وحتى لا يتحول المجتمع إلى مصدر ضغط على الفقراء.
لكن الأخطر اليوم هو أن التباهي لم يعد مقتصرًا على الداخل فقط، بل امتد حتى إلى بعض أفراد الجالية المغربية في الخارج، خصوصًا في أوروبا.
فبينما يعيش كثير منهم في سعة مادية وقدرة حقيقية على الأضحية، نجد بعضهم يبدأ منذ شهور في جمع الفروق البسيطة بين الأسعار، ويوفر يوروًا هنا ويوروين هناك، لا من أجل مساعدة محتاج، بل فقط ليبرر لنفسه ترك الأضحية في البلد الذي يعيش فيه، ثم يرسل ثمنها إلى المغرب أو إلى فلسطين بحجة أن “الأضحية هناك أرخص”.
وهنا ينبغي طرح السؤال بصدق:
هل المقصود فعل العبادة أم البحث عن أرخص طريقة للتخلص منها ؟
إن بعض الناس يتعامل مع الأضحية وكأنها فاتورة يريد تخفيضها لا شعيرة يريد إحياءها.
فإذا كان الإنسان في سعة وقادرًا على الأضحية حيث يعيش، فلماذا هذا الحرص العجيب على إسقاطها عن نفسه باسم “الإرسال للخارج” بينما الحقيقة أحيانًا لا تعدو كونها هروبًا من كلفة الأضحية المحلية؟
ثم إن الفقير في المغرب لا يحتاج فقط إلى لحم يوم أو يومين، بل يحتاج إلى تعليم، وعلاج، وسكن، وفرص عمل، وكرامة تحفظه من الحاجة أصلًا.
وكذلك الفلسطيني الذي يعيش تحت القصف والحصار؛ حاجته الكبرى ليست دائمًا في الأضاحي، بل في الدواء، والإغاثة، والإيواء، وإعادة بناء ما دمّرته الحروب.
أما الأضحية نفسها، فهي أصلًا لا تُسن على الفقير غير المستطيع، فلماذا نحولها إلى محور كل أشكال “المساعدة الموسمية” بينما الناس تحتاج إلى مشاريع حياة لا إلى لحوم عابرة تنتهي بعد أيام؟
إن مساعدة المحتاجين أمر عظيم بلا شك، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإلغاء شعيرة من شعائر الإسلام عند القادرين عليها، خاصة لدى الجاليات المسلمة في الغرب.
فالأضحية ليست مجرد ذبح، بل هي أيضًا إعلان هوية، وربط للأبناء بالدين، وإحياء لشعائر الإسلام داخل البيوت المسلمة.
حين يرى الطفل المسلم في أوروبا أو أمريكا أو غيرها أن أسرته لم تعد تهتم بالأضحية، وأن العيد اختُزل في تحويل بنكي إلى بلد آخر، فإن الشعيرة تضعف في وجدانه تدريجيًا، ومع السنوات قد تتحول إلى ذكرى بعيدة بلا أثر تربوي أو روحي.
ولهذا فإن على مغاربة العالم، خصوصًا المقتدرين منهم، أن يتمسكوا بسنة الأضحية في البلدان التي يعيشون فيها، حتى تبقى حية في نفوس أبنائهم وأحفادهم.
فالشعائر إذا غابت عن الواقع اليومي ذبلت في القلوب مع الزمن.
أما المحتاجون في المغرب وفلسطين وغيرها، فواجب مساعدتهم لا يقتصر على موسم العيد، بل يجب أن يكون مشروعًا دائمًا قائمًا على التنمية الحقيقية والتكافل المستمر، لا على حلول موسمية عاطفية قد تخفي أحيانًا نوعًا من التهرب من إحياء السنة في موطن الإقامة.
إن الإسلام دين توازن، لا دين إسراف ولا دين تخلٍّ عن الشعائر.
فمن كان فقيرًا فلا حرج عليه أن يترك الأضحية حفاظًا على كرامته ودينه، ومن كان موسرًا فلا ينبغي أن يبحث عن المبررات لإسقاط سنة مؤكدة عنه باسم حسابات مالية ضيقة أو أعذار اجتماعية.
لقد جاء الإسلام ليحرر الإنسان من عبودية المظاهر، لكن أيضًا من عبودية التهرب من المسؤولية الدينية حين تتوفر الاستطاعة.
فالأضحية ليست تجارة أسعار، وليست مناسبة للتفاخر، وليست كذلك عبئًا يُلقى كله على فقراء العالم الإسلامي.
إنها شعيرة تقوى، ومن يعظّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب..