الألباب المغربية/ زينب دياني
لم تعد ظاهرة الترحال البرلماني في المغرب مجرد انتقال من حزب إلى آخر بحثاً عن موقع سياسي أو فرصة انتخابية، بل أصبحت مؤشراً على إشكال أعمق يرتبط بطبيعة التمثيلية السياسية، وبمفهوم الانتماء الحزبي، وبالثقة التي يفترض أن تربط الناخب بممثليه.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يعود النقاش حول انتقال بعض المنتخبين بين الأحزاب، وحول رفض أو قبول بعض طلبات الترشيح، ليطرح سؤالاً جوهرياً: هل ما يزال الانتماء الحزبي تعبيراً عن قناعة سياسية ومشروع مجتمعي، أم تحول في بعض الحالات إلى مجرد وسيلة للوصول إلى التزكية الانتخابية؟
لا شك أن الاختلاف مع الحزب أو مغادرته حق سياسي مشروع، متى كان نابعاً من تحول حقيقي في القناعة أو اختلاف واضح في التوجهات. غير أن الإشكال يبدأ عندما يصبح تغيير الانتماء ممارسة متكررة تحكمها الحسابات الانتخابية، دون أن يرافقها تغيير في المواقف أو البرامج.
فالناخب لا يمنح صوته لشخص فقط، وإنما يختار، بشكل مباشر أو غير مباشر، توجهاً وبرنامجاً وفريقاً سياسياً. ولذلك فإن انتقال المنتخب بعد فوزه إلى موقع سياسي مختلف يطرح مسألة احترام دلالة التفويض الانتخابي، ويعيد إلى الواجهة سؤال العلاقة بين حرية المنتخب وحق الناخب في معرفة الجهة السياسية التي يمثله من خلالها.
وتكشف الظاهرة، في جانب آخر، عن أزمة في وظيفة الأحزاب السياسية نفسها. فالحزب ليس مجرد رمز انتخابي أو وسيلة للحصول على التزكية، بل يفترض أن يكون فضاءً للتأطير والتكوين وإنتاج النخب وصياغة البرامج. وعندما يتراجع هذا الدور، يصبح معيار “القوة الانتخابية” أحياناً أكثر حضوراً من الكفاءة والانتماء والالتزام السياسي.
كما أن خصوصية المجال الترابي المغربي تجعل الظاهرة أكثر تعقيداً، إذ يظل الرأسمال الاجتماعي والعلاقات المحلية والشخصية مؤثرة في اختيارات الناخبين. وهو ما يسمح لبعض الوجوه بالاحتفاظ بقاعدتها الانتخابية رغم تغير الألوان الحزبية.
غير أن الخطر الأكبر لا يكمن في الترحال ذاته، بقدر ما يكمن في أثره على الثقة في المؤسسات. فعندما تتغير الأحزاب بينما تبقى الوجوه نفسها، قد يشعر المواطن بأن الاختيار الانتخابي لا يغير كثيراً من واقع المشهد السياسي، وهو ما قد يغذي العزوف ويعمق الفجوة بين المجتمع والمؤسسات المنتخبة.
لذلك، فإن مواجهة الظاهرة لا ينبغي أن تقتصر على القواعد القانونية والإجراءات التنظيمية، بل تحتاج إلى إصلاح أوسع يعيد الاعتبار للحزب السياسي، ويقوي التكوين والتأطير، ويربط التزكية بالمسار السياسي والكفاءة، ويجعل المنتخب أكثر ارتباطاً بالبرنامج الذي حصل من خلاله على ثقة الناخبين.
وفي النهاية، ليست المشكلة في أن يغيّر السياسي موقعه، وإنما في أن يتحول الانتقال من حزب إلى آخر إلى مجرد حركة انتخابية بلا تفسير سياسي مقنع.
فالديمقراطية لا تحتاج فقط إلى انتخابات منتظمة، بل تحتاج إلى اختيارات واضحة، وأحزاب ذات معنى، ومنتخبين يشعرون بأن التفويض الذي حصلوا عليه مسؤولية، وناخبين يثقون بأن أصواتهم تختار مشروعاً لا مجرد شخص.