الألباب المغربية/ محمد عبيد
ليس من السهل أن يخرج فريق من مباراة كبيرة وهو يترك خلفه هذا القدر من الخيبة، ولا من السهل أكثر أن يتحول منتخب بكامل تاريخه ورصيده الجماهيري إلى مجرد عرائس من قصب تتمايل أمام أول هبة ضغط.
ذلك هو الانطباع القاسي الذي خلّفته مواجهة منتخب فرنسا برسم ربع نهائي مونديال أمريكا 2026 في أمسية الخميس 9 يوليوز 2026،لا بسبب النتيجة وحدها، بل بسبب الطريقة التي اختار بها المنتخب أن يغيب عن المباراة أكثر مما حضر فيها.
كان المنتظر من المنتخب المغربي، وهو يدخل اختبارًا بهذا الحجم، أن يقدّم شخصية واضحة، وأن يترجم ما راكمه من احترام خلال السنوات الأخيرة إلى صلابة في الميدان.
لكن ما وقع كان أقرب إلى تراجع جماعي في الإيقاع، وارتباك في الانتشار، وانقطاع في الربط بين الخطوط، وكأن المجموعة فقدت البوصلة في اللحظة التي احتاجت فيها إلى أكبر قدر من التماسك.
لم يكن الأمر مجرد سوء حظ، ولا مجرد نقص في النجاعة الهجومية… كان خللاً في الروح قبل أن يكون خللاً في الخطة.
التسمية نفسها، “عرائس من قصب”، ليست مبالغة انفعالية بقدر ما هي استعارة دقيقة لحالة هشاشة فنية ونفسية.
فالقصب قد يبدو مستقيمًا من بعيد، لكنه ينحني سريعًا حين تهب الريح، والمنتخب في تلك المباراة بدا على الصورة نفسها: حضور شكلي، مقاومة محدودة، ورد فعل متأخر أمام إيقاع منافس عرف كيف يستغل الظرف جيدًا وكيف يفرض شروطه.
ولم يكن المشكل أن منتخب فرنسا كان أقوى فحسب، بل أن المنتخب المغربي لم ينجح في أن يكون منتخبًا يزعج الخصم أو يخلخل حساباته أو على الأقل يفرض عليه قدرًا من القلق.
ما يضاعف الإحباط أن الجمهور المغربي لم يعد يقيس قيمة المنتخب بالنتيجة وحدها، الجمهور يريد أن يرى فريقًا يقاتل، يتقدم ويؤخر، يربح الالتحامات، ويعرف كيف يدير لحظات الضعف.
أما أن يظهر الفريق بلا ملامح واضحة، وبلا حرارة تنافسية كافية، فذلك ما يجعل الخسارة أثقل من مجرد خروج من مباراة. هنا تصبح المشكلة أعمق من هزيمة عابرة… إنها مشكلة صورة، ومشكلة ذهنية، ومشكلة مشروع كروي حين يفقد القدرة على التعبير عن نفسه تحت الضغط.
المنتخبات الكبرى لا تُقاس فقط بما تحققه، بل بما تمنحه من إحساس بأنها موجودة فعلًا في الملعب.
لهذا بدا الأداء المغربي في تلك المواجهة بعيدًا عن الروح التي صنعت له احترامًا واسعًا في محطات سابقة.
لم يكن هناك ما يكفي من الجرأة في الاستحواذ، ولا ما يكفي من الحسم في التحول، ولا ما يكفي من التوازن بين الانضباط والاندفاع.
وحين تغيب هذه العناصر، يتحول الفريق من كيان تنافسي إلى مجموعة أفراد يتحركون داخل مساحة واحدة من دون فكرة مركزية واضحة.
ومن هنا بالضبط تأتي قسوة الوصف. فـ”عرائس من قصب” ليست مجرد عبارة جارحة، بل تشخيص لحالة فريق بدا هشًا أمام الامتحان، غير قادر على مقاومة الإرباك، ولا على إنتاج رد فعل يليق باسم المنتخب.
وربما كانت المشكلة الأكبر أن هذا الانطباع لا يتعلق بلقطة واحدة أو خطأ فردي، بل بصورة عامة لفريق لم ينجح في أن يقنع بأن لديه ما يكفي من الصلابة كي لا ينكسر بهذه السهولة.
في كرة القدم، يمكن للفريق أن يخسر ويخرج مرفوع الرأس، ويمكن له أن ينهزم لكنه يربح احترام الجمهور.
غير أن ما حدث هنا كان أقرب إلى خسارة مزدوجة: خسارة في النتيجة، وخسارة في الإقناع.
ولذلك ستبقى عبارة عرائس من قصب أكثر من مجرد تعليق غاضب؛ ستبقى عنوانًا مختصرًا لليلة لم يكن فيها المنتخب المغربي في حجم الاسم الذي يحمله، ولا في مستوى الثقة التي كانت معلقة عليه.