الألباب المغربية/ بدر شاشا
في الوقت الذي يواصل فيه المغرب الاستثمار في تطوير بنياته التحتية الطاقية، وتوسيع شبكات الكهرباء لتصل إلى أبعد القرى والجبال، تبرز ظاهرة خطيرة تنخر هذا القطاع الحيوي، تتمثل في سرقة الكهرباء. إنها ليست مجرد مخالفة قانونية أو سلوك فردي معزول، بل أصبحت مع مرور السنوات ظاهرة واسعة الانتشار في عدد من الأحياء الهامشية، والدواوير القروية، وبعض المناطق الحضرية، مخلفة خسائر مالية ضخمة، ومهددة لاستقرار الشبكة الكهربائية، ومسببة في حوادث مميتة.
سرقة الكهرباء بالمغرب تتخذ أشكالاً متعددة؛ فمنها الربط العشوائي بالشبكة العمومية دون عداد، ومنها التلاعب بالعدادات لتقليص الاستهلاك المسجل، ومنها استعمال تجهيزات إلكترونية متطورة لتعطيل أجهزة القياس، إضافة إلى تحويل الكهرباء نحو ورشات أو أنشطة تجارية وصناعية دون أداء المستحقات
وتنتشر هذه الظاهرة في العديد من المناطق القروية حيث يعمد بعض السكان إلى مد أسلاك كهربائية بشكل سري من أعمدة الكهرباء نحو المنازل أو الضيعات الفلاحية، كما تعرف بعض الأحياء الحضرية انتشار شبكات كهربائية عشوائية تغذي عشرات المنازل بطريقة غير قانونية، في مشهد يشكل خطراً حقيقياً على الأرواح والممتلكات.
ويتحمل المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب خسائر مالية سنوية كبيرة بسبب هذه السرقات، إذ تضيع ملايين الكيلوواط/ساعة من الطاقة الكهربائية دون استخلاص قيمتها، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على ميزانية المؤسسة، ويقلص قدرتها على الاستثمار في تحديث الشبكات وإنجاز مشاريع جديدة لفائدة المواطنين.
ولا تقتصر آثار سرقة الكهرباء على الجانب المالي فقط، بل تمتد إلى إضعاف جودة التزويد بالطاقة، حيث تؤدي الأحمال غير القانونية إلى انخفاض الجهد الكهربائي، وانقطاع التيار بشكل متكرر، وإتلاف المحولات الكهربائية، وتعطيل المعدات التقنية، مما ينعكس سلباً على المواطنين الملتزمين بأداء فواتيرهم.
ومن أخطر نتائج هذه الظاهرة ارتفاع عدد الحوادث الكهربائية القاتلة، إذ تتسبب الأسلاك المكشوفة والتوصيلات العشوائية في صعقات كهربائية مميتة وحرائق داخل المنازل والأسواق والضيعات، خصوصاً خلال فترات الأمطار والرطوبة.
ورغم الحملات المتواصلة التي تقوم بها مصالح المكتب الوطني للكهرباء، بتنسيق مع السلطات المحلية والدرك الملكي والأمن الوطني، للكشف عن عمليات الربط غير المشروع، فإن الظاهرة ما تزال مستمرة في عدد من المناطق، مستفيدة من عوامل اجتماعية واقتصادية، من بينها الفقر والهشاشة، وضعف الوعي بخطورة هذه الممارسات.
وتنص القوانين المغربية على عقوبات صارمة في حق مرتكبي سرقة الكهرباء، تشمل الغرامات المالية وإلزام المخالف بأداء قيمة الطاقة المستهلكة، إضافة إلى المتابعة القضائية التي قد تصل إلى عقوبات حبسية في بعض الحالات، خاصة عندما تتسبب السرقة في أضرار مادية أو بشرية.
ويرى مختصون أن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تعتمد فقط على المقاربة الأمنية، بل تحتاج إلى استراتيجية شاملة تقوم على تحديث العدادات الذكية، وتعزيز المراقبة الرقمية، وتكثيف حملات التوعية، وإيجاد حلول اجتماعية للفئات الهشة، بما يحقق التوازن بين حماية المال العام وضمان الحق في الولوج الآمن والمنظم إلى الطاقة.
إن الكهرباء ليست مجرد خدمة استهلاكية، بل هي مرفق عمومي أساسي يقوم عليه الاقتصاد الوطني، وتستفيد منه المستشفيات، والمدارس، والمقاولات، والإدارات، والمنازل. وكل اعتداء على الشبكة الكهربائية هو اعتداء على المال العام، وعلى حقوق ملايين المواطنين الذين يؤدون مستحقاتهم بانتظام.
ومن هنا، فإن القضاء على ظاهرة سرقة الكهرباء يتطلب تعبئة جماعية، تبدأ من احترام القانون، وتمر عبر تعزيز الرقابة والتكنولوجيا، وتنتهي بترسيخ ثقافة المواطنة التي تجعل حماية الممتلكات العمومية مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.
سرقة الكهرباء في المغرب.. نزيفٌ صامت يهدد الاقتصاد ويستنزف المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب
اترك تعليقا