الألباب المغربية/ نورالدين ودي
أثار وزير الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني جدلاً واسعاً خلال زيارته الرسمية إلى اليونان، بعدما أهدى صليباً مصنوعاً من خشب العرعار إلى شخصية مسيحية يونانية.
الخطوة التي أقدم عليها الوزير المهبول، دليل أنه بلا ثقافة ودون حس سياسي أو ديني، وبعيد كل البعد على السيميائية الرمزية، ثم ليس من اختصاصه الشأن الديني وهو يمثل الدولة.

وإن ادعى “المهبول أنا” أنها رسالة تسامح وانفتاح لكن بجهله أصبحت رسالة انبطاح وتردي، وقد تحوّل هذا الفعل المشين سريعاً إلى مادة سخرية وغضب على منصات التواصل. وقد تساءل عدد كبير منهم عن مبررات اختيار رمز ديني مسيحي كهدية رسمية باسم المغرب، بدل اللجوء إلى رموز تراثية وثقافية
والمغرب ليس في حاجة لمبرر لتقديم “الصليب” لإثبات تسامحه. فثقافة التعايش متجذرة في المجتمع المغربي منذ قرون، وتتجلى في حماية دور العبادة، واحترام الديانات السماوية، والعيش المشترك بين مكونات الشعب المغربي. هذا الرصيد التاريخي أغنى من أن يُختزل في إيماءة رمزية خاطئة .
والأهم من ذلك، أن تدبير الشأن الديني وتمثيله رمزياً في الخارج أو الداخل ليس من اختصاص وزير الصناعة التقليدية، ولا من صميم مهامه الحكومية. فهذا الاختصاص محفوظ دستورياً ومؤسساتياً لأمير المؤمنين حفظه الله، بوصفه الضامن لوحدة الملة والمذهب، والمجلس العلمي الأعلى ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. وهي المؤسسات المؤهلة وحدها لحمل رسائل الحوار الديني والتعايش باسم الدولة المغربية.
وكان من الأولى على الوزير المهبول في هذه المناسبة أن يظهر باللباس المغربي الرسمي، اقتداءً بجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، الذي يجعل من الزي التقليدي عنواناً للفخر الوطني وحضوراً حضارياً في المحافل الدولية. فاللباس المغربي ليس مجرد مظهر، بل هو رسالة تعبّر عن الأصالة والهوية وتغني عن أي رمزية مستوردة.
كما أن التقدير الفقهي للواقعة لا يمكن تجاوزه. فالصليب، من منظور العقيدة الإسلامية، ينطوي على تكذيب صريح لما ورد في القرآن الكريم من نفي صلب المسيح عليه السلام، ويُعدّ إساءة بالغة لشخصه. لذلك أجمعت المذاهب الفقهية المعتبرة، بما فيها المذهب المالكي المعتمد عند المغاربة، على حرمة صناعة الصليب وبيعه وإهدائه للغير. ومن هنا كان من الأجدر اختيار هدايا تعبّر عن العمق الحضاري المغربي الجامع دون الدخول في منطقة الرموز العقدية المباشرة.
إن الانتقادات هنا لا تستهدف المسيحية ولا مبدأ احترام الآخر. فاحترام الديانات الأخرى أصل راسخ في الإسلام وفي الدستور المغربي. لكن الانتقاد موجه إلى ما اعتبره كثيرون تجاوزاً للاختصاص وسوء تقدير بروتوكولي، كان يفترض أن يُراعى قبل الإقدام على خطوة تمس حساسية الرأي العام المغربي المحافظ.
إن دبلوماسية الصناعة التقليدية والثقافة قوة ناعمة مهمة، لكنها تحتاج إلى دليل بروتوكولي يضبط نوع الهدايا الرمزية في الزيارات الخارجية، ويحصر التمثيل الديني في مؤسساته المختصة. فالحفاظ على صورة المغرب كدولة متسامحة لا يقتضي التنازل عن رمزيتها، بل يستلزم اختيار رموز تعبّر عن العمق الحضاري الجامع للمملكة. المغرب قوي بانفتاحه، وأقوى بتمسكه بثوابته والتوازن بينهما هو معيار نجاح أي دبلوماسية ثقافية.