الألباب المغربية/ الدكتور حسن شتاتو
في اللحظات الدقيقة من تاريخ الأوطان، لا تحتاج الشعوب إلى خطابات عاطفية ولا إلى مزايدات إيديولوجية، بل تحتاج إلى رجال دولة يمتلكون الوضوح والشجاعة والقدرة على وضع مصلحة الوطن فوق كل الحسابات الحزبية والانتخابية. والمغرب اليوم، وسط عالم مضطرب وتحولات إقليمية خطيرة، في حاجة إلى خطاب وطني عقلاني ومسؤول، لا إلى شعارات تستثمر في العاطفة والدين والقضايا الخارجية لاستمالة الجماهير.
لقد قدّم حزب العدالة والتنمية نفسه لسنوات باعتباره حزب “الإصلاح” و”النزاهة” و”الدفاع عن الشعب”، لكن التجربة الحكومية كشفت حجم التناقض بين الخطاب والممارسة. فالحزب الذي كان يهاجم قرارات الدولة عندما كان في المعارضة، وجد نفسه في السلطة يوقّع على سياسات واتفاقيات كان يلمّح سابقًا إلى رفضها أو التحفظ عليها. وهنا بدأ جزء واسع من المغاربة يفقد الثقة في الخطاب السياسي المبني على الشعارات أكثر من البرامج الواقعية.
ومن أبرز الملفات التي ما زالت حاضرة في ذاكرة المواطنين القرارات الاقتصادية التي أثرت بشكل مباشر على القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة والفقيرة، خاصة ما يتعلق بتحرير أسعار المحروقات ورفع الدعم التدريجي عن بعض المواد الأساسية. فالطاقة ليست قطاعًا معزولًا، بل هي المحرك الرئيسي للأسعار والنقل والإنتاج والمعيش اليومي. وعندما ترتفع تكلفتها، يدفع المواطن الثمن في كل تفاصيل حياته.
كما أن المغاربة تابعوا بوضوح التناقضات السياسية في عدد من القضايا. فمن كان يتحدث عن مراجعة بعض الطقوس السياسية والدستورية عاد ليدافع عنها عندما وصل إلى السلطة، ومن كان يهاجم الامتيازات السياسية أصبح جزءًا منها. وهذا ما جعل فئة كبيرة من المواطنين تعتبر أن الخطاب الأخلاقي الذي رفعه الحزب لم يكن دائمًا منسجمًا مع الممارسة الفعلية.
المشكل الأكبر أن جزءًا من الخطاب الشعبوي في المغرب لم يعد يركز على بناء الإنسان المغربي، بل أصبح غارقًا في الاستثمار في الملفات الخارجية والصراعات الإيديولوجية، بينما ينتظر المواطن المغربي مدرسة محترمة، ومستشفى يحفظ الكرامة، وقضاء عادل، وفرصة شغل، وسكنًا لائقًا. فالوطنية ليست رفع الشعارات، بل بناء وطن يحترم أبناءه.
إن المغرب دولة ذات سيادة، ومن حقه أن يحدد تحالفاته الاستراتيجية وفق مصالحه العليا وأمنه القومي، بعيدًا عن خطابات التخوين والمزايدات. كما أن الدفاع عن القضية الفلسطينية أو غيرها من القضايا الإنسانية لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لابتزاز الدولة أو تقسيم المغاربة أو تصوير كل اختلاف سياسي على أنه خيانة.
وفي المقابل، فإن الدفاع عن استقرار الدولة لا يعني الصمت عن الاختلالات. فالوطنية الحقيقية ليست تقديس الأشخاص، وإنما الدفاع عن المؤسسات مع المطالبة الدائمة بالإصلاح والمحاسبة والعدالة الاجتماعية. ولذلك فإن كثيرا من المغاربة الذين يدافعون عن الملكية يعتبرونها صمام أمان البلاد ووحدة الدولة، لكنهم في الوقت نفسه يطالبون بتطوير الحياة السياسية، ومحاربة الريع، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإنهاء كل أشكال الاستغلال والنفوذ غير المشروع.
كما أن المغاربة لم يعودوا يقبلون أن تبقى السياسة رهينة رجال الأعمال أو المصالح الضيقة أو الإعلام القائم على الإثارة والتأجيج. فبعض المنابر والشخصيات الإعلامية المعارضة تحولت أحيانًا إلى منصات لنشر السوداوية والتشكيك الدائم وتضخيم الأزمات دون تقديم بدائل واقعية ومسؤولة، وهو ما يساهم في نشر فقدان الثقة داخل المجتمع بدل بناء وعي وطني متوازن.
إن المغرب لا يحتاج إلى خطاب عدمي يعتبر كل شيء فاشلًا، ولا إلى خطاب تبريري يرى كل شيء مثاليا. المغرب يحتاج إلى الصراحة، وإلى شجاعة تسمية الاختلالات بأسمائها، وإلى مشروع وطني حقيقي يعيد الاعتبار للمواطن المغربي البسيط الذي يريد فقط أن يعيش بكرامة داخل وطن قوي وعادل.
نريد مغربًا لا يضطر فيه الشباب إلى الهجرة واليأس، ولا تتحول فيه المرأة إلى ضحية الفقر والاستغلال، ولا يشعر فيه المواطن أن القانون يُطبق على الضعفاء فقط. نريد دولة قوية بالقانون، قوية بالعدالة، قوية بالتعليم والصحة والاقتصاد، لا دولة تعيش فقط على الشعارات أو الصراعات السياسية العقيمة.
إن مستقبل المغرب لن يُبنى بالتخوين ولا بالشعبوية ولا بالمزايدات، بل ببناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وبإنتاج نخب سياسية جديدة تؤمن بالوطن قبل الحزب، وبالمواطن قبل الحسابات الانتخابية. هكذا فقط يمكن أن يكون المغرب الذي يحلم به المغاربة: وطن الكرامة والاستقرار والإصلاح الحقيقي.