الألباب المغربية/ محامد الحسين
في المشهد السياسي والاقتصادي الحالي، تبدو حكومة حزب التجمع الوطني للأحرار وكأنها تدير الشأن العام بمنطق يقوم على كثرة البرامج وتعدد الشعارات، أكثر مما يقوم على تقييم الأثر الحقيقي على حياة المواطنين. فبين خطاب رسمي يتحدث عن الإصلاح والدولة الاجتماعية، وواقع يومي يزداد فيه الضغط على الأسر والشباب، تتسع الفجوة بشكل يطرح أسئلة جدية حول نجاعة الاختيارات الحكومية.
ما يُسجل اليوم ليس فقط محدودية النتائج، بل أيضاً اختلال واضح في تنزيل عدد من البرامج العمومية، وعلى رأسها تلك المرتبطة بالشباب والتشغيل. فبرنامج “فرصة”، الذي تم تقديمه كرافعة لإنعاش روح المبادرة، تحول في نظر عدد من المستفيدين إلى تجربة محبطة، بعدما اصطدم كثير منهم بتأخر التمويل، وضعف المواكبة، وغياب ضمانات حقيقية لاستمرارية المشاريع. والنتيجة أن جزءاً مهماً من هذه المشاريع انتهى إلى الفشل أو التعثر، تاركاً شباباً بين خيبة الأمل وديون والتزامات مالية ثقيلة تجاه المؤسسات المانحة.
الأخطر من ذلك أن بعض الشباب وجدوا أنفسهم محاصرين بين فشل المشروع من جهة، وضغط الأقساط الشهرية من جهة أخرى، ما حول فكرة “الدعم” إلى عبء إضافي بدل أن تكون فرصة للإنقاذ الاقتصادي. وهو ما يكشف خللاً عميقاً في فلسفة هذه البرامج، التي تبدو أحياناً أقرب إلى أرقام وإنجازات إعلامية منها إلى حلول عملية مستدامة.
في المقابل، يظل شرط السن في مباريات التوظيف العمومي أحد أبرز مظاهر الإقصاء الصامت. فاعتماد سقف 30 أو 35 سنة يعني عملياً إغلاق باب الوظيفة العمومية في وجه شريحة واسعة من الشباب، ليس بسبب ضعف الكفاءة، بل فقط بسبب عامل زمني لا يعكس الواقع الاجتماعي ولا مسار التكوين الطويل. هذا الاختيار يُكرّس إحساساً متزايداً بأن الولوج إلى الوظيفة لم يعد قائماً على مبدأ تكافؤ الفرص، بل على قيود شكلية تُقصي أكثر مما تدمج.
أما في ما يتعلق بالمقاول الذاتي، فإن التجربة التي كان يُفترض أن تكون مدخلاً للإدماج الاقتصادي، تحولت عند كثيرين إلى تجربة هشة. فغياب الاستقرار في الدخل، وضعف المواكبة، إلى جانب الالتزامات المرتبطة بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، جعل عدداً من المقاولين الذاتيين يعيشون ضغطاً مالياً متواصلاً، حيث تتحول المساهمات والغرامات إلى عبء يهدد استمرارية النشاط بدل دعمه.
كل هذه المؤشرات تعكس خللاً أعمق من مجرد تعثر برامج منفردة، بل تطرح سؤالاً حول طريقة تدبير السياسات العمومية نفسها: هل يتعلق الأمر برؤية واضحة طويلة المدى، أم بتدبير متقطع يخضع لحسابات ظرفية أكثر من خضوعه لاحتياجات اجتماعية حقيقية؟
وفي ظل هذا الواقع، يتصاعد سؤال سياسي حاد داخل الرأي العام: إلى متى سيظل الشباب المغربي يُقدَّم كحقل لتجريب السياسات العمومية، تُطلق عليه البرامج وتُختبر فيه النماذج، دون أن يتحول إلى مستفيد فعلي ومستقر من ثمار التنمية؟ وكيف يمكن لحكومة ترفع شعار الدولة الاجتماعية أن تقبل باستمرار اختلالات تمس أساساً فئة الشباب، التي يُفترض أنها محور أي مشروع تنموي؟
إن استمرار هذا الوضع، دون مراجعة جذرية لآليات اتخاذ القرار وتقييم السياسات العمومية وربط المسؤولية بالنتائج، لا يؤدي إلا إلى تعميق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، وإضعاف الإحساس بالعدالة في توزيع الفرص. وهي فجوة، إذا استمرت في الاتساع، قد تكون كلفتها الاجتماعية والسياسية أكبر بكثير من أي مكسب اقتصادي ظرفي.