الألباب المغربية/ خديجة بوشخار
تُعتبر مناسبة عاشوراء من المناسبات الدينية والاجتماعية الراسخة في الذاكرة الجماعية للمغاربة، حيث ارتبطت لعقود بأجواء الفرح والتآزر وصلة الرحم، من خلال إحياء طقوس شعبية وتراثية تعكس خصوصية الثقافة المغربية. غير أن هذه المناسبة بدأت في السنوات الأخيرة تفقد جزءاً من رمزيتها الاحتفالية، بعدما تحولت في العديد من الأحياء إلى مشاهد من الفوضى والتخريب، تطغى عليها أعمال الشغب وإشعال النيران العشوائية واستعمال المفرقعات الخطيرة.
فمع حلول ليلة عاشوراء، تتحول بعض الشوارع والأزقة إلى ساحات مفتوحة لإشعال الإطارات المطاطية والأخشاب وسط الطرقات، في مشهد يثير الرعب في نفوس السكان ويهدد سلامتهم الجسدية والنفسية. كما تتسبب الأدخنة الكثيفة والحرائق العشوائية في إزعاج المواطنين، خاصة الأطفال والمسنين والمرضى، الذين يقضون هذه الليلة في حالة من الخوف والقلق بدل الاستمتاع بأجواء الاحتفال.
ولم تعد مظاهر الانفلات تقتصر على الضوضاء والإزعاج، بل تجاوزتها إلى تسجيل إصابات وحروق واختناقات، إضافة إلى وقوع حوادث مؤسفة خلفت خسائر بشرية ومادية في عدد من المدن المغربية خلال سنوات سابقة. كما تحولت بعض طقوس “الشعالة” إلى أعمال تخريبية استهدفت السيارات والممتلكات العامة والخاصة، بل ووصل الأمر في بعض الحالات إلى الاعتداء على عناصر الأمن والوقاية المدنية أثناء تدخلها لإخماد الحرائق وإعادة النظام.
وتدفع هذه السلوكيات ثمنها فئات واسعة من المواطنين الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين ألسنة النيران والدخان والضجيج، في ظل حالة من الرعب الجماعي التي تخيم على الأحياء السكنية. كما تتعرض تجهيزات الدولة وممتلكاتها، من أعمدة الإنارة والحاويات والأرصفة والإشارات المرورية، لأعمال تخريب متكررة تكلف الجماعات المحلية ميزانيات إضافية لإصلاحها، وهي أموال كان من الممكن توجيهها إلى مشاريع تنموية تخدم الساكنة.
ويرى متتبعون للشأن الاجتماعي أن ما يحدث في بعض المناطق خلال ليلة عاشوراء يعكس تحولات مقلقة في طبيعة الاحتفال، حيث فقدت المناسبة لدى البعض بعدها الثقافي والديني، لتتحول إلى فرصة لممارسة سلوكيات خطيرة تتنافى مع قيم المواطنة واحترام القانون. كما يطرح هذا الوضع تساؤلات عديدة حول دور الأسرة والمؤسسات التربوية والمجتمع المدني في تأطير الناشئة وترسيخ ثقافة الاحتفال المسؤول.
إن الحفاظ على الطابع الاحتفالي لعاشوراء لا يتعارض مع ضرورة حماية الأرواح والممتلكات وضمان راحة المواطنين. فالمناسبة التي ارتبطت تاريخياً بالفرح والتآخي لا ينبغي أن تتحول إلى مصدر للخوف والقلق والإضرار بالمصلحة العامة. لذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى تكثيف حملات التوعية والتحسيس، وتعزيز الرقابة على الممارسات الخطيرة، وتشجيع الأنشطة الثقافية والترفيهية البديلة التي تعيد لعاشوراء بريقها الأصيل وتحصن المجتمع من مظاهر الفوضى والتخريب.
فليلة عاشوراء يجب أن تبقى مناسبة للاحتفال والتآزر ونشر البهجة بين الأسر المغربية، لا ليلة تستيقظ فيها المدن على آثار الحرائق والخراب، ويقضي فيها المواطنون ساعات من التوتر والخوف في انتظار عودة الهدوء إلى شوارعهم وأحيائهم. النموذج في الصور من شارع بغداد بمدينة بني ملال.