الألباب المغربية/محمد عبيد
أجمع المشاركون في الندوة العلمية التي نظمها منتدى “العلوم والتنمية المستدامة” بإفران، يوم 12 يونيو 2026 بالمركز الثقافي بأزرو في موضوع: “التعمير، المدينة والتنمية: “نحو نماذج ترابية مستدامة جديدة”، على أن تحقيق تنمية ترابية متوازنة يمر عبر مراجعة شاملة لمنظومة التعمير، وفي مقدمتها القانون 12.90، والإسراع بإخراج مدونة للتعمير تستجيب للتحولات المجالية والاجتماعية التي يعرفها المغرب، خاصة بالعالم القروي. وأكد المتدخلون على أن استمرار تعقيد مساطر البناء يشكل أحد العوامل المساهمة في الهجرة القروية وما يرافقها من تفريغ ديموغرافي للمجالات الجبلية والقروية.
وجمعت هذه الجلسة العلمية باحثين ومسؤولين ومهنيين لبحث آفاق التخطيط الترابي والتعمير في ظل التحولات البيئية والاجتماعية، مع تركيز خاص على التجديد الحضري وتجارب المدن الجبلية، لا سيما حالة مدينة أزرو.
افتتح الدكتور مولاي رشيد كريم المداخلات بمداخلة عنوانها “التجديد الحضري: نحو إعادة تشكيل التخطيط الترابي المحلي”، قدم فيها التجديد الحضري كمقاربة تنموية شمولية تتجاوز مفاهيم التهيئة التقليدية لتشمل تحسين جودة الحياة وتعزيز جاذبية المدن ومقاومة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. وبيّن أن التجربة المغربية تشهد تحوّلاً من التوسع العمراني نحو سياسات إعادة تأهيل الأنسجة الحضرية القائمة وتثمينها، مشيراً إلى تحديات عدة منها هشاشة بعض البنيات العمرانية، وضغط السوق العقاري، وصعوبة التوفيق بين متطلبات الاستثمار والحفاظ على الهوية المحلية، إلى جانب الإكراهات البيئية المرتبطة بتغير المناخ واستنزاف الموارد.
وخلص الدكتور كريم إلى أن فاعلية سياسات التجديد تعتمد على رؤية مندمجة تُنسّق بين مختلف المتدخلين وتشرك الساكنة والفاعلين المحليين، مع تعزيز آليات الحكامة الترابية لتحقيق العدالة المجالية وتحسين الخدمات والبنى الأساسية.
قدّم الدكتور إبراهيمي حميد مداخلة بعنوان “التخطيط الحضري والتنمية المستدامة: حالة مدينة أزرو”، مبنياً تحليلاً تشخيصياً لإكراهات التوسع العمراني في أزرو وانعكاساته على الأراضي الفلاحية والغطاء الغابوي، فضلاً عن تراجع النسيج العمراني القديم وضرورة حمايته وتثمينه. ودعا إلى اعتماد مقاربة بيئية تراعي القدرة الاستيعابية للمجال، وتحافظ على الموارد المائية والغطاء الغابوي مع توجيه التوسع نحو المجالات الأقل هشاشة. وقدّم مجموعة من المقترحات العملية تشمل تعزيز أنماط التنقل المستدام وإعادة تأهيل الأحياء القديمة بمقاربة تشاركية مع القطاع الخاص والفاعلين المحليين، وتشديد المراقبة العمرانية لضمان احترام الضوابط البيئية والجمالية، وربط التخطيط الحضري بالجاذبية السياحية والثقافية للإقليم.
وأضاف الدكتور إبراهيمي، بصفته مسؤولاً إقليمياً بوزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، عرضاً مفصلاً حول البرامج والمشاريع القطاعية التي تشرف عليها الوزارة، والتي تستهدف تأهيل الأنسجة العمرانية ومعالجة إشكالية الدور الآيلة للسقوط والمحافظة على التراث المعماري والعمراني بأزرو. وبيّن جهود الوزارة في تطوير أدوات التخطيط من خلال اعتماد أنظمة معلومات جغرافية متطورة، ورقمنة وثائق التعمير، وإعداد خرائط رقمية قابلة للتحديث تعزز فعالية التدبير واتخاذ القرار.
وتفاعل الحضور في نقاش حول الإمكانات التي تتيحها التقنيات الرقمية، لا سيما الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، في الارتقاء بوثائق وخرائط التعمير من مجرد أدوات وصفية إلى خرائط ذكية تفاعلية باسعتمال GIS، قادرة على رصد التحولات المجالية والبيئية بشكل آني، من خلال توظيف حساسات رقمية متصلة قادرة على تجميع كل المعطيات المرتبطة بالمجال، والتنقل، والبيئة، والبنيات التحتية، تزيد فاعلية اتخاذ القرار العمراني وسياسة المدينة.
وقد أُشير في هذا السياق إلى أبحاث وتطبيقات يجريها باحثون محليون، من ضمنهم الدكتور محمد الشعيبي، في مجال إنترنت الأشياء، والتي قد تهيئ أرضية لبناء منظومات ترابية ذكية تعتمد على بيانات ضخمة وتحليل تنبؤي يعزز الاستباقية في التدبير العمراني وإدارة المخاطر المجالية والبيئية.
خلص المتدخلون إلى أن الاستفادة من البعد الرقمي والتكنولوجي في سياسات التعمير تمثل رافعة أساسية لتجويد التخطيط الترابي، شريطة إرساء شراكات بين الوزارة والجامعة ومراكز البحث والفاعلين المحليين ومنتدى العلوم والتنمية المستدامة، لبناء نموذج حكامة ترابية ذكي ومؤسساتي يسخر التكنولوجيا والابتكار لتحقيق التنمية المستدامة.
بشكل عام، أبرزت المداخلتان ضرورة الانتقال من مقاربات التعمير التقليدية إلى نماذج أكثر شمولية واستدامة تضع جودة العيش والعدالة المجالية في قلب السياسات الترابية، مع التركيز على إشراك الساكنة وتبسيط المساطر الإدارية المتعلقة بالبناء، لاسيما في الوسط القروي، تفادياً للهجرة القروية والتفريغ الديموغرافي للمجالات الجبلية.
واختتمت الندوة بتوافق المشاركين على أهمية مراجعة شاملة لمنظومة التعمير، لا سيما القانون رقم 12.90، والإسراع بإخراج مدونة للتعمير تستجيب للتحولات المجالية والاجتماعية في المغرب.
كما شددوا على تفعيل مقتضيات الدورية المشتركة لسنة 2023 بين وزارة إعداد التراب الوطني والداخلية، الهادفة إلى تبسيط مساطر الترخيص بالبناء وتنفيذ التوجيهات الملكية للنهوض بالعالم القروي عبر اعتماد لجان مشتركة وتبسيط الوثائق والإجراءات وتمكين المواطنين من حقوقهم في البناء ضمن إطار قانوني يحفظ الموارد ويضمن شروط العيش الكريم.
يذكر أن الدكتور سعيد أزلماط أشرف على إعداد التقرير وتأطير أشغال الندوة، وأن المداخلات والنقاشات أسهمت في إغناء الرؤية العلمية والتطبيقية بشأن مستقبل التعمير والتخطيط الترابي بإقليم إفران، وفتحت آفاقاً عملية لتوظيف الرقمنة والشراكات البحثية في بناء نماذج ترابية ذكية ومستدامة.
تأتي هذه الندوة في لحظة حاسمة تشهد فيها المناطق الجبلية بالمغرب تحولات سريعة على مستوى العمران والبيئة والسوسيواقتصاد.
لقد نجحت جلسات المنتدى في جمع صوتٍ أكاديمي وعملي متوافق حول حاجتنا لنماذج تخطيط ترابي تفوق المقاربات التقليدية، وتضع الاستدامة والحكامة وإشراك الساكنة في قلب السياسات.
تبقى التحديات كبيرة، لكن النقاشات والتوصيات التي خرجت بها الندوة تشكل خطوة عملية نحو بلورة حلول محلية قابلة للتطبيق تدعم استقرار وتوازن الأحياء والفضاءات الترابية بالإقليم.