الألباب المغربية/ د. حسن شتاتو
حين يصبح الخطر من الداخل أخطر من كل المؤامرات… ليس كل من يحمل جنسية المغرب مغربيًا في وجدانه، وليس كل من يرفع صوته باسم الوطن يعمل من أجل الوطن. فالوطنية ليست شعارًا يرفع عند الحاجة، ولا بطاقة تُستعمل لتحقيق المصالح، وإنما هي ضمير، ووفاء، واستعداد دائم للعطاء والتضحية.
إن أخطر ما يواجه المغرب اليوم ليس ندرة الموارد، ولا تقلبات الاقتصاد، ولا حتى أطماع الخارج، بل هو ذلك التآكل البطيء الذي يصنعه بعض أبنائه عندما تتحول المصلحة الشخصية إلى دين، والأنانية إلى عقيدة، والفرقة إلى مشروع.
هناك من يرى الدولة مجرد غنيمة، فإذا وصل إلى منصب أو سلطة أو نفوذ، اعتقد أن القانون خُلق لغيره، وأن النصوص يمكن ليّها، والمؤسسات يمكن تطويعها، والعدالة يمكن الالتفاف عليها. وما علم أن الدول لا تسقط فقط بسبب الفقر، بل بسبب غياب المساواة أمام القانون.
وهناك من يعيش بعقل مستعار، لا يرى المغرب إلا بعيون الآخرين، ولا يحاكم قضاياه إلا وفق أجندات خارجية. يزرع الشك، ويبث اليأس، ويحول كل نجاح إلى فشل، وكل إنجاز إلى مؤامرة، وكأن قدر هذا الوطن أن يبقى متهمًا في نظر أبنائه مهما قدم.
وهناك من اختزل الدين في مقاطع قصيرة ومنشورات مجهولة على وسائل التواصل، فصار يُفتي بغير علم، ويُبدّع ويُضلّل، وهو لم يجلس يومًا بين يدي عالم، ولم يعرف معنى التدرج في طلب العلم. إن الدين الذي صنع حضارة لا يمكن أن يُختزل في منشور أو مقطع لا تتجاوز مدته دقائق.
وفي الجهة الأخرى يقف من يريد قطع الأمة عن تراثها العلمي، فيطعن في مصادرها المعتبرة، ويصور ذلك على أنه تحرر أو تنوير. إن التجديد الحقيقي لا يهدم الأصول، بل يجدد فهمها ويجعلها قادرة على مواكبة العصر دون أن تفقد هويتها.
وهناك من ينتظر أن تمنحه الدولة كل شيء، بينما لا يقدم لها إلا الشكاية والانتظار. يريد الحقوق كاملة، لكنه ينسى أن الحقوق لا تنفصل عن الواجبات، وأن الأمم لا تبنى بالاتكال، وإنما تبنى بالعمل والعرق والإنتاج.
ومن الشباب من جعل الوظيفة العمومية نهاية الأحلام، وكأن الوطن لا يحتاج إلى صناع، ومهندسين، ورواد أعمال، وباحثين، ومزارعين، ومستثمرين. إن الأمة التي يطمح أبناؤها جميعًا إلى استهلاك الثروة أكثر من إنتاجها، محكوم عليها بالتراجع.
ومن المؤلم أيضًا أن ترى من يتحمس لكل قضية خارج حدود الوطن، بينما يمر على قضايا المغرب مرور الكرام. إن نصرة المظلوم قيمة إنسانية عظيمة، لكن الوفاء للوطن الذي منحك الهوية والأمن والانتماء ليس أقل قداسة.
وهناك من يعتقد أن التحضر هو أن يتخلى عن لغته، ويحتقر ثقافته، ويقلد غيره في كل شيء. لكنه ينسى أن الأمم العظيمة دخلت العصر الحديث وهي متمسكة بهويتها، لا وهي تتبرأ منها.
وهناك من باع كرامته بثمن بخس، فتراه يتزلف لأصحاب النفوذ، ويتخلى عن مبادئه مقابل منفعة عابرة. إن الفقر في المال قد يكون ابتلاءً، أما الفقر في الكرامة فهو اختيار.
كل هذه الظواهر، مهما اختلفت أشكالها، تلتقي عند نتيجة واحدة: إنها تستنزف روح الوطن، وتضعف ثقته بنفسه، وتزرع الانقسام بين أبنائه.
لكن المغرب لم يُبنَ بهذه العقليات، ولن يُحفظ بها… لقد بُني المغرب برجال ونساء آمنوا بأن الوطن مسؤولية قبل أن يكون حقًا، وبأن الكرامة لا تُشترى، وبأن الاختلاف لا يفسد الانتماء، وبأن قوة الدولة لا تقوم إلا على قوة المجتمع.
إن تمغربيت ليست شعارًا موسميًا، بل هي منظومة قيم؛ وفاءٌ للثوابت، واحترامٌ للمؤسسات، واعتزازٌ بالهوية، وانفتاحٌ على العالم دون ذوبان، وتضامنٌ بين أبناء الوطن مهما اختلفت آراؤهم.
نحن لا نحتاج إلى مجتمع يصفق لكل شيء، كما لا نحتاج إلى مجتمع يهدم كل شيء. نحتاج إلى مواطن يقول كلمة الحق، لكنه يقولها بأدب، وينتقد، لكنه يقترح، ويعارض، لكنه لا يحرض، ويختلف، لكنه لا يمزق الصف.
فليكن ولاؤنا للمغرب فوق كل ولاء، ولتكن كرامة المواطن من كرامة الوطن، ولنعلم أن الأوطان لا يحميها الصراخ، بل يحميها الصادقون الذين يعملون في صمت، ويختلفون باحترام، ويجتمعون عندما تكون مصلحة المغرب على المحك.
المغرب ليس ملك جيل واحد، ولا تيار واحد، ولا حزب واحد، ولا نخبة واحدة. المغرب أمانة في أعناق جميع أبنائه.
فلنختلف كما نشاء، ولكن لا نفترق… ولننتقد كما نشاء، ولكن لا نهدم… ولنحب أوطان الآخرين كما نشاء، ولكن ليبقَ المغرب أولًا في قلوبنا وأعمالنا.
عاش المغرب موحدًا، عزيزًا، كريمًا، قويًا بأبنائه، وحفظ الله جلالة الملك محمد السادس، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار، وجعل “تمغربيت” جامعةً لا مفرقة، وبناءةً لا هادمة.