الألباب المغربية/ بدر شاشا
في السنوات الأخيرة، أصبح موضوع سيارات الدولة من المواضيع التي تثير الكثير من النقاش داخل المجتمع المغربي، سواء في الشارع أو في وسائل التواصل الاجتماعي أو حتى داخل بعض الإدارات. فالمواطن العادي كثيراً ما يلاحظ في الليل أو خلال عطلة نهاية الأسبوع وأيام العطل سيارات تحمل لوحات إدارية أو تابعة لمؤسسات عمومية، تتجول في المدن أو تتجه نحو مراكز تجارية كبرى، أو تُستعمل في التنقلات العائلية أو السفر خارج أوقات العمل. هذا المشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول طريقة تدبير هذه الثروة العمومية، وحول مدى احترام مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
سيارات الدولة ليست ملكاً شخصياً لأي موظف أو مسؤول، بل هي وسيلة عمل ممولة من المال العام، الهدف منها تسهيل أداء المهام الإدارية والخدمات العمومية. لكن حين تتحول هذه الوسيلة إلى امتياز شخصي خارج إطار العمل، فإننا نكون أمام خلل في الحكامة وتبذير غير مباشر للموارد. فكل لتر من الوقود، وكل ساعة تشغيل، وكل صيانة، يتم تمويلها من ميزانية الدولة، أي من جيوب المواطنين.
الواقع اليوم يبين أن هناك تفاوتاً في الاستعمال، فبعض الإدارات تحترم القوانين بشكل صارم وتراقب حركة سياراتها بدقة، بينما إدارات أخرى تعاني من غياب المراقبة الفعلية أو ضعف آليات التتبع. وهذا ما يجعل بعض السيارات تُستعمل في الليل أو خلال العطل دون أي مبرر إداري واضح، وهو ما يفتح الباب أمام التساؤل حول من يراقب وكيف تتم المحاسبة.
في عصر الرقمنة والتكنولوجيا، لم يعد من المقبول أن تبقى الإدارة تعتمد فقط على الثقة أو المراقبة التقليدية. فهناك اليوم أنظمة ذكية لتتبع المركبات عبر GPS، تمكن من معرفة مسار كل سيارة، عدد الكيلومترات المقطوعة، أوقات الاستعمال، وحتى استهلاك الوقود بشكل دقيق. هذه الأنظمة تُستعمل في العديد من الدول المتقدمة، بل وحتى في بعض المؤسسات الخاصة داخل المغرب نفسه، من أجل تقليص التكاليف وتحسين الإنتاجية.
اعتماد نظام تتبع صارم لسيارات الدولة يمكن أن يحقق عدة أهداف مهمة. أولاً، الحد من الاستعمال غير القانوني أو الشخصي للممتلكات العمومية. ثانياً، تقليص نفقات الوقود والصيانة التي تشكل عبئاً كبيراً على ميزانية الدولة. ثالثاً، تعزيز الشفافية داخل الإدارة وإعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات. رابعاً، تحسين صورة الإدارة العمومية باعتبارها نموذجاً في الانضباط واحترام المال العام.
لكن الإشكال لا يرتبط فقط بالتكنولوجيا، بل أيضاً بثقافة التدبير. فبدون إرادة حقيقية للإصلاح، ستبقى حتى أفضل الأنظمة عرضة للتجاوز. لذلك يجب أن تكون هناك قوانين واضحة وصارمة تحدد بدقة متى وكيف ولماذا تُستعمل سيارات الدولة، مع فرض عقوبات في حالة الاستعمال غير المشروع، مهما كانت صفة المستعمل.
كما أن الرقابة يجب ألا تكون فقط إدارية داخلية، بل يمكن أيضاً إشراك مؤسسات التفتيش والمراقبة المالية، وربما نشر تقارير دورية حول أسطول السيارات العمومية، عددها، تكلفتها، وكيفية استعمالها. هذا النوع من الشفافية يعزز الثقة ويقلل من الإشاعات والاتهامات غير المبنية على معطيات دقيقة.
يبقى الهدف الأساسي هو ترشيد المال العام. فكل درهم يتم صرفه في غير محله هو درهم يُنقص من إمكانيات الاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية. والسيارات الإدارية، رغم أنها وسيلة ضرورية للعمل، إلا أن سوء استخدامها يحولها إلى رمز من رموز الهدر إذا لم يتم ضبطها بشكل صارم.
إن المغرب اليوم في حاجة إلى نموذج تدبيري جديد، يقوم على الرقمنة، الشفافية، والمحاسبة الفعلية. وإصلاح ملف سيارات الدولة قد يبدو تفصيلاً صغيراً، لكنه في الحقيقة يعكس مستوى أعمق من الحكامة داخل الإدارة العمومية ككل.