الألباب المغربية/ عبد العزيز الخطابي
في عالم كرة القدم لم تعد الإنجازات تقاس بعدد الألقاب فقط. بل أصبحت تقاس أيضاً بقوة المشروع الرياضي وجودة البنية التحتية والقدرة على تنظيم أكبر التظاهرات العالمية وصناعة نموذج تنموي متكامل. ومن هذا المنطلق، تبدو الاستراتيجية المغربية في السنوات الأخيرة مختلفة عن كثير من التجارب الإفريقية. حيث انتقل التفكير من المنافسة داخل القارة إلى بناء مكانة دولية تجعل من المغرب فاعلاً أساسياً في كرة القدم العالمية.
وقد أثارت تصريحات رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، التي أكد فيها أن المغرب لن يتقدم مستقبلاً بملفات لاستضافة البطولات الإفريقية باستثناء الالتزامات السابقة، نقاشاً واسعاً بين المتابعين وبين مؤيد يرى أن القرار يعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى ومعارض يعتبر أن البطولات القارية تظل جزءاً من الهوية الرياضية الإفريقية.. يبرز سؤال أساسي: إلى أين يتجه المشروع الكروي المغربي ؟
لا يمكن الحديث عن كرة القدم المغربية دون استحضار التحول الكبير الذي عرفته خلال العقد الأخير. فقد استثمر المغرب في بناء وتجديد الملاعب. وتطوير مراكز التكوين والرفع من مستوى الحكامة الرياضية، إضافة إلى استقطاب كبرى المنافسات الدولية. وهو ما جعل المملكة تحظى بثقة المؤسسات الرياضية العالمية.
ولعل الإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي في كأس العالم 2022، عندما بلغ نصف النهائي.. لم يكن مجرد نتيجة رياضية عابرة… بل كان تتويجاً لمسار طويل من التخطيط والاستثمار والعمل المؤسساتي، ذلك الإنجاز أعطى للمغرب مكانة جديدة وأثبت أن المنتخبات الإفريقية قادرة على منافسة القوى التقليدية في كرة القدم العالمية.
ومن هذا المنطلق.. تبدو الأولوية التي يمنحها المغرب للاستعداد لتنظيم كأس العالم للأندية 2029 وكأس العالم 2030 منسجمة مع طموحه في ترسيخ صورته كقوة رياضية وتنظيمية عالمية. فتنظيم هذه الأحداث لا يقتصر على الجانب الرياضي. بل يمتد إلى الاقتصاد والسياحة والاستثمار والدبلوماسية الناعمة.. حيث تتحول الرياضة إلى أداة لتعزيز صورة الدولة وجذب الشركاء الدوليين.
في المقابل. يرى البعض أن الابتعاد عن استضافة البطولات الإفريقية قد يفسر على أنه تراجع عن الدور القيادي للمغرب داخل القارة، غير أن القراءة الأخرى تشير إلى أن المغرب كان في مناسبات عديدة يتدخل لإنقاذ مسابقات قارية عندما تعتذر دول أخرى عن تنظيمها.. وهو ما جعل خبرته التنظيمية محل إشادة واسعة.
كما أن الجدل الذي يثار أحياناً حول امتلاك المغرب لنفوذ داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم يبقى جزءاً من السجال الرياضي المعتاد. فالنجاح غالباً ما يثير المنافسة والانتقاد. بينما يبقى الحكم الحقيقي هو ما يتحقق على أرض الواقع من مشاريع وإنجازات ونتائج.
وفي الوقت نفسه. فإن قيمة البطولات الإفريقية لا يمكن التقليل منها، فهي تظل من أهم المسابقات في القارة وتحمل تاريخاً كبيراً. كما أن التتويج بها يمثل إنجازاً رياضياً مهماً لأي منتخب. لكن من المشروع أيضاً أن تحدد كل دولة أولوياتها وفق رؤيتها وإمكاناتها وطموحاتها المستقبلية.
إن التجربة المغربية تقدم نموذجاً يقوم على فكرة بسيطة: الاستثمار في المؤسسات قبل النتائج. وفي البنية التحتية قبل الألقاب. وفي التخطيط طويل المدى قبل المكاسب الآنية. وهي فلسفة جعلت المغرب يتحول إلى منصة رياضية تستقطب البطولات الدولية وتستضيف المنتخبات والأندية الكبرى.
ويبقى النجاح الحقيقي لأي مشروع رياضي مرهوناً بالاستمرارية. لأن المحافظة على المكانة أصعب من الوصول إليها. وإذا استطاع المغرب مواصلة هذا النهج، فإن كرة القدم قد تتحول إلى أحد أبرز أدوات القوة الناعمة للمملكة. وإلى جسر يربط بين التنمية الاقتصادية والحضور الدولي.
وفي النهاية. فإن النقاش حول الأولويات بين البطولات القارية والعالمية ليس صراعاً بين خيار صحيح وآخر خاطئ. بل هو اختلاف في الرؤية والاستراتيجية. أما الثابت فهو أن المغرب يعيش مرحلة رياضية استثنائية. وأن التحدي الأكبر اليوم ليس فقط تحقيق الإنجازات. بل تحويلها إلى مشروع وطني مستدام ينعكس على الشباب والاقتصاد وصورة البلاد في العالم. ويؤكد أن الاستثمار في الرياضة أصبح استثماراً في مستقبل الدولة ومكانتها بين الأمم.