الألباب المغربية/ الأستاذ محمد خلاف
تقف القصبة الزيدانية بأولاد عبد الله، في قلب جماعة الخلفية بإقليم الفقيه بن صالح، كشاهد إثبات تاريخي لا يلين، وسفر مفتوح يروي فصولاً مجيدة من تاريخ المغرب، وعبقاً فواحاً من ماضٍ عريق صنعته سواعد الأجداد. ومن هنا، من هذه الأرض الطيبة أصل الأب والأجداد ومرتع الطفولة… أنا كاتب هذه السطور، أرفع القلم والقلب معاً لأخط مرثية ومناشدة في آن واحد لمعلمة ولدتُ في ظلالها، وباتت اليوم تصارع عوادي الزمن في صمت بليغ، إنها ليست مجرد جدران طينية أو حجارة صامتة تراكمت فوق بعضها، بل هي نبض أجيال، وذاكرة مكان، وهوية حضارية تقاوم النسيان والتلاشي، منتظرة التفاتة حقيقية تعيد لها بريقها المسلوب وتصون جسدها المنهك من الاندثار.
تستمد القصبة الزيدانية اسمها وقيمتها العالية من عبق الدولة السعدية، وتحديداً من فترة حكم السلطان زيدان بن أحمد المنصور الذهبي في بدايات القرن السابع عشر، حيث لم يكن اختيار موقعها في بلاد تادلة الشامخة، بين سهول دير الأطلس ونهر أم الربيع، عبثاً أو صدفة، بل كان اختياراً استراتيجياً بامتياز يحمل في طياته هيبة الملك وسطوة التاريخ. أقيمت القصبة لتكون قلعة عسكرية وأمنية تحرس الطرق التجارية القادمة من الحواضر الكبرى كفاس ومراكش، وتؤمن تنقل القوافل، كما شكلت مركزاً إدارياً وجبائياً ومخزناً سلطنياً لجمع الجبايات وإدارة شؤون القبائل المحلية كبني عمير وبني موسى. ولم تكن هذه المعلمة مجرد ثكنة عسكرية جامدة، بل كانت حاضرة عمرانية متكاملة تضم مسجداً يرفع فيه اسم الله، ومخازن شاسعة للحبوب والأسلحة، وإقامة وثيرة للعامل أو الأمير، مما جعلها منارة حضارية تشع بالنور والجاذبية في محيطها القروي الفسيح.
وتعتبر القصبة الزيدانية بأولاد عبد الله نموذجاً حياً ومبدعاً للهندسة المعمارية المغربية العريقة القائمة على التراب المدكوك أو ما يُعرف باللوح، والحجارة المحلية المصقولة بالصبر، حيث تتميز بخصائص عمرانية فريدة تأسر الألباب. تحيط بالقصبة أسوار شاهقة مدعمة بأبراج مراقبة مربعة الشكل، صممت بذكاء لصد أي هجمات ومراقبة السهول الشاسعة المحيطة بها، بينما تعكس الأقواس والأبواب الضخمة المبنية بالآجور الأحمر والمنحوتة بدقة متناهية هيبة العمارة السلطانية السعدية، والتي تشبه في تفاصيلها الفنية نمط البناء الباذخ في قصر البديع بمراكش. كما استفادت القصبة من قربها الإستراتيجي من نهر أم الربيع والعيون المجاورة، حيث صممت بها قنوات مائية داخلية دقيقة تعكس عبقرية الهندسة المائية المغربية في ذلك العصر، وكأن الماء كان يتدفق في شرايينها ليمنحها الحياة والخلود.
ورغم هذه الحمولة التاريخية والجمالية الزاخرة، فإن الزائر للقصبة الزيدانية اليوم، أو العابر بقربها مثلي، يصاب بغصة في الحلق وجرعة مريرة من الحزن والأسى، وهي ترى معالمها تتساقط يوماً بعد يوم كأوراق الخريف. إن المعلمة تعيش اليوم واقعاً مأساوياً ومقلقاً، فما عجزت الحروب والصراعات التاريخية الضارية عن هدمه، يكاد يجهز عليه الإهمال البشري القاتل وعوامل التعرية الطبيعية القاسية. لقد تسببت الأمطار الغزيرة وعوامل الرطوبة والرياح العاتية في تساقط أجزاء واسعة من الأسوار الطينية الدافئة، وظهور تصدعات وشقوق خطيرة وعميقة تهدد بانهيار ما تبقى من الأبراج الشامخة. وينضاف إلى هذا التآكل الطبيعي زحف عمراني وفلاحي عشوائي وخانق، في ظل غياب منطقة حماية حقيقية حول المعلمة، مما جعلها عرضة للانتهاك، فضلاً عن غياب تام للتثمين السياحي والثقافي، حيث تفتقر المنطقة لعلامات التشوير أو للمرافق التي تستقبل السياح والباحثين، لتظل القصبة بمثابة جزيرة معزولة ومنسية في بحر من الإهمال والتجاهل المفجع.
إن إنقاذ القصبة الزيدانية بأولاد عبد الله لم يعد مجرد ترف فكري أو مجرد رغبة عابرة، بل هو واجب وطني وأخلاقي ملح لربط الحاضر بالماضي، وإنقاذ جزء من روحنا الجماعية قبل فوات الأوان. تتطلب عملية الإنقاذ هذه تظافر جهود وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والمجالس المنتخبة الإقليمية والجماعية، وفعاليات المجتمع المدني، عبر خطة عمل استعجالية واضحة المعالم. يجب البدء فوراً بترميم علمي دقيق يستعمل المواد الأصلية كالتراب المدكوك والجير للحفاظ على الهوية البصرية والروحية للقصبة دون تشويه، مع ضرورة التحصين القانوني الحاسم عبر تقييد المعلمة بشكل نهائي ضمن الآثار الوطنية وتحديد حرم أثري صارم يمنع البناء العشوائي حولها. ويتوجب كذلك الإدماج التنموي لهذه المعلمة من خلال تحويلها إلى مركز ثقافي نابض بالحياة أو متحف إقليمي يعرض تاريخ منطقة تادلة، وربطها بالمسارات السياحية لجهة بني ملال-خنيفرة لتتحول من أطلال منسية إلى قاطرة للتنمية المحلية.
في الختام، تظل القصبة الزيدانية بأولاد عبد الله رمزاً شامخاً للهوية الحضارية لإقليم الفقيه بن صالح، وهي صرخة صامتة تستنجد بالضمائر الحية، فترميم هذه المعلمة ليس مجرد صيانة للأحجار، بل هو صيانة لذاكرتنا، وتصالح مع أنفسنا، واستثمار في سياحة ثقافية تعيد لأولاد عبد الله وهجها التاريخي وتنقذ هذا الكنز الثمين من مخالب الفناء والنسيان.