الألباب المغربية/ أمين الحطاط
لم تعد امتحانات الباكالوريا مجرد محطة تربوية لقياس التحصيل الدراسي، بل تحولت، في ظل الثورة الرقمية وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، إلى مادة يومية للاستهلاك الجماهيري والترفيه الافتراضي. وبينما يفترض أن تكون هذه الامتحانات مناسبة وطنية تستدعي التعبئة والمسؤولية، أصبحت في كثير من الأحيان فضاء للسخرية والتهكم وصناعة “الترند”، الأمر الذي يطرح أسئلة عميقة حول علاقة المجتمع بالمدرسة وقيمة المعرفة.
إن أخطر ما تعيشه الباكالوريا اليوم ليس صعوبة الامتحانات أو كثرة الإصلاحات، بل ما يمكن تسميته بعملية “المسخ الرمزي” التي تتعرض لها. فبدل أن ينصب النقاش العمومي على جودة التعليم، وتكافؤ الفرص، ومستقبل المتعلمين، ينجر جزء كبير من الرأي العام الافتراضي إلى تتبع المقاطع المثيرة للحالات الشاذة، وتضخيمها، وتحويلها إلى مادة للضحك والتعليقات الساخرة.
وتتحمل بعض المنصات الإعلامية وصناع المحتوى قسطا كبيرا من المسؤولية، إذ أصبحت بعض “الميكروفونات الرقمية” تلهث وراء نسب المشاهدة والتفاعل، دون اعتبار للأثر التربوي أو الأخلاقي. فكلما انتشر مقطع لتلميذ يتحدث بطريقة غير مألوفة، أو لتلميذة تدلي بتصريح عفوي، سارعت هذه المنصات إلى إعادة نشره وإعادة إنتاجه في عشرات المقاطع الساخرة، حتى يتحول الشخص المعني إلى مادة للتنمر الجماعي.
والمفارقة الكبرى أن جزءا من هذا الجمهور نفسه كان يطالب بإصلاح المدرسة المغربية، ويندد بتراجع مستواها، لكنه يشارك، من حيث لا يشعر، في إضعاف هيبة المؤسسة التعليمية، عندما يجعل من الامتحان الوطني مناسبة للفرجة والاستهزاء. فالإصلاح الحقيقي لا ينسجم مع ثقافة السخرية من المتعلمين، ولا مع تحويل أخطائهم أو عفويتهم إلى مادة للاستهلاك الرقمي.
أما ظاهرة الغش، فهي الأخطر على الإطلاق، لأنها لم تعد في نظر البعض سلوكا منحرفا يستوجب الإدانة، بل أصبحت تجد من يبررها ويصفق لها ويعتبرها نوعا من “الذكاء” أو “التحايل المشروع”. بل إن بعض الصفحات تتعامل مع محاولات الغش وكأنها بطولات تستحق الإعجاب، وهو ما يعكس تحولا مقلقا في منظومة القيم، حيث تتراجع ثقافة الاستحقاق والعمل الجاد لصالح ثقافة الربح السريع والنتائج السهلة.
إن تبرير الغش لا يهدد الامتحانات فقط، بل يهدد المجتمع بأكمله، لأن من يتعلم أن النجاح يمكن أن يتحقق بالخداع، قد يحمل هذه القناعة إلى الجامعة والإدارة وسوق الشغل ومختلف مؤسسات الدولة. لذلك فإن محاربة الغش ليست مسؤولية وزارة التربية الوطنية وحدها، بل هي مسؤولية الأسرة والإعلام والمدرسة والمجتمع المدني وكل الفاعلين في المجال الثقافي والتربوي.
ولا ينبغي أن يؤدي نقد هذه الظواهر إلى تعميم الأحكام، فآلاف التلاميذ يجتازون امتحانات الباكالوريا كل سنة في ظروف صعبة، بعد سنوات من الاجتهاد والتضحية، ويستحقون التشجيع والتقدير. كما أن عددا كبيرا من الأطر التربوية والإدارية يبذلون جهودا كبيرة من أجل ضمان نزاهة الامتحانات وإنجاح هذا الاستحقاق الوطني.
وفي الختام، فإن الباكالوريا ليست مجرد أوراق وأسئلة وأجوبة، بل هي رمز لقيمة العلم وتكافؤ الفرص والارتقاء الاجتماعي. وحين تتحول إلى موضوع للسخرية أو إلى ساحة لتبرير الغش، فإن المجتمع لا يسيء إلى المدرسة فحسب، بل يسيء إلى مستقبله أيضا. لذلك أصبح من الضروري إعادة الاعتبار للامتحان الوطني، وترسيخ ثقافة احترام المعرفة، حتى يبقى النجاح ثمرة للكفاءة والاجتهاد، لا نتيجة للتهريج أو التحايل أو البحث عن لحظة عابرة من الشهرة الرقمية.