الألباب المغربية/ خديجة بوشخار
في مشهد احتفالي اختزل أصالة الفروسية المغربية، وعمق الارتباط بالموروث الثقافي الوطني، اختتمت جماعة سيدي عيسى بن علي بإقليم الفقيه بن صالح، صباح أمس الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، فعاليات مهرجان التبوريدة، بعد أيام من العروض التراثية التي استقطبت اهتمام الجمهور واستحضرت مكانة هذا الفن العريق في الذاكرة الجماعية للمغاربة. وجاء هذا الختام تتويجاً لدورة تميزت بحضور وازن للفاعلين المحليين والمؤسساتيين، وبمواكبة عامل الإقليم، محمد القرناشي، الذي تابع أطوار اليوم الثالث من المهرجان، يوم الاثنين 19 أكتوبر، في أجواء عكست أهمية هذه التظاهرة في صون التراث وتعزيز الإشعاع المحلي.
وكان عامل الإقليم المذكور، قد حل بفضاء المهرجان، حيث استقبله رئيس جماعة سيدي عيسى بن علي ونائبه الأول، إلى جانب عدد من الشخصيات العسكرية والأمنية، ورؤساء الجماعات الترابية بالإقليم، بحيث يعكس هذا الحضور الاهتمام الذي تحظى به التظاهرات الثقافية والتراثية باعتبارها فضاءات للتواصل بين مختلف المتدخلين، وفرصاً لإبراز المؤهلات التي تزخر بها المنطقة.

صلة بالموضوع، شهد اليوم الثالث تقديم عروض متنوعة لفن التبوريدة، أبدعت خلالها السربات المشاركة في استعراض مهارات الفرسان وقدراتهم على التحكم في الخيول، وسط أجواء امتزجت فيها حماسة الجمهور بإيقاع الحوافر ودوي البارود. وقد جسدت هذه اللوحات جانباً من غنى التراث الفروسي المغربي، وما يختزنه من قيم الشجاعة والانضباط والتناسق، فضلاً عن ارتباطه العميق بالتاريخ والعادات والتقاليد المتوارثة عبر الأجيال.
وفي تصريح له بالمناسبة، نوه النائب الأول لرئيس جماعة سيدي عيسى بن علي، بأهمية هذه التظاهرة السنوية، معتبراً أنها تشكل محطة للاحتفاء بالموروث الثقافي المغربي والتعريف بغنى التقاليد المحلية. كما تسهم في تعزيز الحضور الثقافي لجهة بني ملال-خنيفرة وإبراز رصيدها الحضاري والإنساني. وأكد أن مهرجانات التبوريدة تتجاوز بعدها الفرَجوي لتؤدي دوراً ثقافياً وتربوياً، من خلال ترسيخ الاعتزاز بالهوية الوطنية لدى الناشئة، وتشجيع الأجيال الصاعدة على التشبث بالتقاليد الأصيلة والتعرف على دلالاتها التاريخية والرمزية.
وأضاف المتحدث ذاته، أن تنظيم مثل هذه المبادرات يتيح للأسر والفعاليات المحلية الالتقاء حول موروث مشترك، ويعزز روح الانتماء إلى المنطقة والافتخار بمؤهلاتها، بما يضمن استمرار هذا الفن التقليدي وانتقاله من جيل إلى آخر في إطار من الاعتزاز بالهوية المغربية وتنوع روافدها.

ومن بين المميزات التي طبعت هذه الدورة مشاركة سربات تمثل الجالية المغربية المقيمة بالخارج، في حضور أضفى على المهرجان بعداً يتجاوز النطاق المحلي، وجسد استمرار ارتباط مغاربة العالم بوطنهم الأم وتقاليده العريقة. كما شكلت مشاركتهم مناسبة للتأكيد على دور الجالية في صيانة الموروث الثقافي ونقله إلى الأجيال الجديدة، بما يحافظ على استمرارية فن التبوريدة باعتباره أحد التعبيرات الأصيلة عن الذاكرة الجماعية المغربية.
أما صباح الثلاثاء، فقد توجت فقرات المهرجان بمراسم اختتام استهلت بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، أعقبها رفع الدعاء، ثم الوقوف لتحية العلم الوطني، في لحظة استحضرت رمزية الوطن وقيم الانتماء إليه. وبعد هذه المراسم، توجهت الأنظار إلى الفرسان المشاركين، الذين قدموا الطلقة البارودية الموحدة، في لوحة جماعية اتسمت بالتناسق والانضباط، واختزلت مهارة الفرسان ودقة أدائهم، لتكون بمثابة مسك الختام لتظاهرة احتفت بالتراث المغربي في أبهى تجلياته.
وبهذا المشهد الختامي، أسدل مهرجان التبوريدة بسيدي عيسى بن علي الستار على دورة جمعت بين الفرجة الشعبية والاحتفاء بالهوية الوطنية، مؤكداً أن الحفاظ على الفنون التقليدية لا يقتصر على استحضار ماضيها، بل يستدعي أيضاً توفير فضاءات تتيح للأجيال الجديدة التعرف عليها وممارستها ونقلها إلى المستقبل.