الألباب المغربية/ عبد العزيز الخطابي
لم يكن الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، يوم الخميس 25 يونيو 2026 والقاضي بالسجن النافذ لمدة عشر سنوات في حق البرلماني السابق والرئيس السابق لنادي الوداد الرياضي سعيد الناصيري واثنتي عشرة سنة في حق الرئيس السابق لجهة الشرق عبد النبي بعيوي.. مجرد محطة قضائية عادية في ملف جنائي، بل تحول إلى حدث سياسي وقانوني يعكس حجم التحديات التي تواجهها الدولة المغربية في معركتها ضد شبكات الجريمة المنظمة والفساد المالي
خصوصًا عندما تمتد خيوطها إلى عالم السياسة والمال والرياضة والنفوذ.
فقضية “إسكوبار الصحراء” لم تعد مجرد اسم يتداول في وسائل الإعلام، بل أصبحت عنوانًا لواحدة من أكبر القضايا التي هزت الرأي العام المغربي خلال السنوات الأخيرة بالنظر إلى طبيعة التهم الموجهة إلى المتابعين والتي تشمل الاتجار الدولي في المخدرات، غسل الأموال، التزوير، استغلال النفوذ والنصب.. إلى جانب جرائم مالية أخرى. كما أن قيمة القضية لا تكمن فقط في حجمها وإنما في هوية الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم أمام القضاء بعدما كانوا يشغلون مناصب سياسية وانتخابية ورياضية مؤثرة.
إن الرسالة الأولى التي تحملها هذه الأحكام هي أن المؤسسة القضائية المغربية ماضية في التعامل مع الملفات الكبرى وفق المساطر القانونية بغض النظر عن المكانة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية للمتابعين. وهذه الصورة تكتسب أهمية خاصة في ظل النقاش الدائر داخل المغرب وخارجه حول استقلال القضاء وربط المسؤولية بالمحاسبة باعتبارهما من المبادئ التي نص عليها الدستور المغربي.
غير أن القضية تفتح، في المقابل، نقاشًا سياسيًا أوسع يتجاوز الأشخاص الذين صدرت في حقهم الأحكام. فالرأي العام يتساءل اليوم: كيف تمكنت شخصيات تتمتع بمواقع سياسية وانتخابية بارزة من الوصول إلى هذا المستوى من النفوذ قبل أن تجد نفسها متورطة في مثل هذه الملفات؟ وهل يتعلق الأمر بحالات فردية معزولة ؟ أم أن الظاهرة تكشف عن اختلالات أعمق في آليات اختيار النخب السياسية ومراقبة مصادر الثروة والتمويل؟
لقد أعلن حزب الأصالة والمعاصرة، منذ بداية القضية، تجميد عضوية المعنيين بالأمر، مع التأكيد على أن المسؤولية شخصية ولا تمثل الحزب أو مناضليه. وهو موقف طبيعي من الناحية التنظيمية، غير أن القضية تجاوزت منذ زمن طويل الإطار الحزبي الضيق، لأنها تمس صورة العمل السياسي برمته، وتؤثر في مستوى ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة وفي الأحزاب السياسية خاصة عندما يتعلق الأمر بمنتخبين سبق أن حصلوا على ثقة الناخبين وشغلوا مسؤوليات عمومية مهمة.
ومن الناحية السياسية.. فإن أخطر ما تفرزه مثل هذه الملفات ليس فقط الأحكام القضائية وإنما حالة الشك التي قد تتسرب إلى الرأي العام تجاه الطبقة السياسية ككل. لذلك فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في إصدار الأحكام فحسب وإنما في تعزيز آليات الوقاية والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة حتى لا تتحول مثل هذه القضايا إلى ظواهر متكررة تعمق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات.
كما أن ملف “إسكوبار الصحراء” يعيد إلى الواجهة سؤال العلاقة بين المال غير المشروع والسياسة. فالتجارب الدولية أثبتت أن شبكات الجريمة المنظمة تسعى دائمًا إلى اختراق مراكز القرار. سواء عبر النفوذ الاقتصادي أو العلاقات السياسية أو الاستثمار في الانتخابات بهدف حماية مصالحها وتوسيع أنشطتها. ولهذا فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على الاعتقالات والمحاكمات، بل تستوجب منظومة متكاملة تشمل الرقابة المالية والشفافية وتقوية أجهزة المراقبة والتدقيق في مصادر الثروة وتحصين المؤسسات من أي اختراق محتمل.
وفي الوقت نفسه، ينبغي التمييز بين المسؤولية الجنائية الفردية وبين المسؤولية السياسية العامة. لأن الأحكام القضائية لا تُحمَّل للأحزاب بمجرد انتماء المتهمين إليها. كما لا يجوز تعميم الاتهامات على جميع الفاعلين السياسيين دون أدلة. فالأصل في دولة القانون هو شخصية العقوبة وافتراض البراءة إلى أن تثبت الإدانة بحكم قضائي نهائي.
ورغم الأحكام الصادرة، فإن النقاش العمومي لم ينته بعد.. فهناك من يرى أن القضية قد تكون كشفت جزءًا فقط من شبكة أوسع. بينما يعتقد آخرون أن العدالة استنفدت ما توفر لديها من أدلة ومعطيات وبين الرأيين تبقى الحقيقة القضائية هي المرجع الوحيد. إذ لا يمكن الجزم بوجود متورطين آخرين أو شبكات إضافية ما لم تكشف التحقيقات أو الأحكام القضائية عن ذلك بصورة رسمية.
وفي جميع الأحوال، فإن قضية “إسكوبار الصحراء” ستظل واحدة من أبرز المحطات السياسية والقضائية في المغرب خلال العقد الحالي. ليس فقط بسبب حجم العقوبات أو مكانة المتابعين وإنما لأنها أعادت طرح أسئلة جوهرية حول العلاقة بين السلطة والمال وبين السياسة والنفوذ، وحول قدرة المؤسسات على حماية المجال السياسي من أي اختراق قد تقوم به شبكات الجريمة المنظمة.
ويبقى الأمل معقودًا على أن تتحول هذه القضية إلى محطة لترسيخ ثقافة المحاسبة والشفافية وأن تشكل رسالة واضحة مفادها أن خدمة الشأن العام مسؤولية تستوجب النزاهة والالتزام بالقانون، وأن الثقة التي يمنحها المواطن للمسؤولين ليست امتيازًا دائمًا، بل أمانة تُحفظ بالاستقامة وتُفقد عند الإخلال بها.