الألباب المغربية/ محمد خلاف
بين جوازِ سفرٍ يمنحكَ الجهات، وقلبٍ يرفضُ التخلي عن البوصلة، يولدُ “أبناءُ المهجر” في المسافةِ الرماديةِ الفاصلة. هم الذين ورثوا الحنين قبل أن يرثوا الأرض، وحملوا في حقائبهم لغةً هي للوطنِ ذكريات، وللغربةِ لغزٌ لا يُفك. إنهم الكائناتُ التي لا تشبهُ ظِلها؛ أجسادٌ تهرولُ في حداثةِ العواصم الباردة، وأرواحٌ تتوضأُ بعبقِ القهوةِ العتيقة خلف أبوابٍ موصدة. في هذا البرزخ الثقافي، تذوب ملامحُ الانتماء لتصبح الهوية مجرد “محطة قطار”، ينتظرون فيها وطناً لا يأتي، ويهربون من غربةٍ لا تنتهي.
تبدأ المعاناة من اللحظة التي يدرك فيها ابن المهاجر أنه “مختلف”. ففي مدارس الغربة، يرتدي لغته الأم كقميصٍ مستعار، يخشى أن يظهر طرازه العتيق أمام حداثة الزملاء. هو هناك “الأجنبي” مهما أتقن اللكنة، وهو “الآخر” الذي يحمل على كاهله إرثاً لا ذنب له فيه.
يعيش هؤلاء الشباب صراع الهوية المركبة؛ ففي البيت يسود عبق التوابل، وصوت القرآن الكريم وصرامة التقاليد التي يحاول الآباء “تحنيطها” خوفاً من الضياع. وخارج عتبة الباب، يمتد عالمٌ مادي بارد، يطالبهم بالاندماج المطلق أو الإقصاء. إنها حياة التمزق بين بَرّين، حيث لا اليابسة تمنحهم الاستقرار، ولا البحر يمنحهم النسيان.
حين يحزم ابن المهاجر حقائبه عائداً إلى وطنه الأم، يسير والآمال تسبقه، ظناً منه أنه سيجد أخيراً “المرسى” الذي سيفهمه دون شرح. لكن الصدمة تكون أشدّ قسوة من الغربة نفسها، وتتجلى في ثلاث طعنات:
1》اغتراب اللسان: يجد نفسه غريباً في لغته؛ فكلماته التي حفظها في المهجر تبدو في الوطن “مهجنة” أو مكسرة، مما يجعله عرضة للسخرية أو الشعور بالدونية.
2》تصادم العقليات: يصطدم بعقليات يراها “منغلقة”، بينما يراه أهل الوطن “متعجرفاً” أو “منسلخاً” عن أصله. هو في نظرهم المغترب الذي يملك المال ولا يملك الهوية، وهم في نظره الجدار الذي يمنعه من الشعور بالانتماء.
3》سقوط اليوتوبيا: يكتشف بمرارة أن “الوطن” الذي رسمه والداه في حكايات ما قبل النوم هو مدينة فاضلة لا توجد إلا في الخيال. يصطدم بالواقع والبيروقراطية واختلاف نمط العيش، فيشعر باليتم مرتين: مرة لأنه غريب في الخارج، ومرة لأنه غريب في الداخل.
”إن أصعب أنواع الغربة ليست تلك التي تشعر بها في بلاد الناس، بل تلك التي تصفع وجهك وأنت تقف في ساحة دارك، حين تكتشف أنك لست منهم، وأنهم لم يعودوا منك.”
ينتهي المطاف بابن المهاجر وهو يتساءل: من أنا؟ هل هو ذلك الشاب (الفرنسي، الإسباني، أو الايطالي) الذي يحمل ملامح شرقية؟ أم هو العربي الذي لا يتقن سوى لغة الإشارات العاطفية تجاه وطنٍ لا يعرفه حق المعرفة؟
إنهم “الطيور المهاجرة” التي أضاعت بوصلة السرب؛ فلا هي استطاعت بناء عش دائم في بلاد الثلج، ولا هي استطاعت العودة إلى الدفء القديم دون أن تحترق أجنحتها باختلاف الطباع.
ومع ذلك، يظلُّ أبناء المهجر ينسجون من تمزقهم رداءً فريداً، ويكتشفون أنَّ الهوية ليست أرضاً نسيّجها بالحدود، بل هي ذلك الحنين المستمر الذي يملأ الحقائب. إنهم لا ينتمون إلى جغرافيا، بل ينتمون إلى تلك “اللحظة” التي يلتقي فيها الشرق بالغرب في غصة أصواتهم. ربما لن يجدوا مرساهم في مرفأٍ محدد، لكنهم سيظلون هم “الجسر” الذي تعبر عليه الأرواح، والقصيدة التي تُكتب بمداد الغربة لتُقرأ بقلب الوطن.
”إن هؤلاء الطيور التي أضاعت السرب، لا تزال تغرد بلحن الحنين، مصداقاً لقول الشاعر:
نَقِّل فُؤادَكَ حَيثُ شِئتَ مِنَ الهَوى .. ما الحُبُّ إِلّا لِلحَبيبِ الأَوَّلِ
كَـم مَنـزِلٍ في الأَرضِ يَعشَقُهُ الفَتى .. وَحَنينُـهُ أَبَـداً لِأَوَّلِ مَنـزِلِ
سيبقى البيت الأول يسكنهم، وإن سكنوا هم بيوتاً غريبة”.