الألباب المغربية/ سعيد موزك
كان للمهرجان الدولي للأشخاص في وضعية إعاقة، في دورته السابعة عشرة، حكاية مع الرباط عاصمة الأنوار، وبأنه ليس كل ما يلمع في سماء الرباط نجما جامدا، فثمة ما يضيء من وهج الروح الإنسانية حين تختار أن تخرق جدران الصمت المقدسة بعزف منير، وتلك كانت حكاية المسرح المنصور عشية الخامس من ماي، حيث انفتحت أوابد الخشبة على سيمفونية لم تألفها تلك الجدران العتيقة، ففي انطلاق الدورة السابعة عشرة للمهرجان الدولي للأشخاص في وضعية إعاقة، لم يكن المشهد مجرد احتفال بفئة معزولة تمن على المجتمع بحضورها، إنما كان تجليا لفلسفة مغايرة، فلسفة ترى أن المنصة تتسع للجميع حين تخلع القلوب أثوابها الواقية، وهناك تحت الأضواء المذهبة، تعاقب المبدعون، أمين الشويرف بصوته الذي يخترق المسافات، وبنسعيد بنغمته الشعبية الأصيلة، والمعلم سعيد كويو بإيقاعاته الكناوية التي تستحضر أرواح الأجداد، ورشيد باتيبأورجه الذي يستدرج الأفراح المنسية، لم يكن أولئك نجوم أمسية عابرة، كانوا شهودا على حقيقة راقية، أن الإنسان لا يقاس بسلامة جوارحه، إنما بسمو فطرته وعطائه الذي لا تعرف الحواجز طريقا إليه، وهكذا مضى اليوم الأول شاهدا أن الدمج ليس إحسانا نسديه لأقل حظا، هو استرداد لجماليات كنا نفتقدها في زحام حياتنا اليابسة، واختتمت الليلة على وعد أن الأيام القادمة ستكون أعمق غورا وأكثر نبأ.
ومع صبيحة الأربعاء السادس من ماي، تحول مركب مولاي رشيد بمدينة بوزنيقة إلى قبلة للفكر الإنساني التأملي، فكانت الندوة العلمية التي أدار دفتها والدكتور الإدريسي نجاتي آمين والسيدة عواطف بصفتها مقررة، افتتحها هداني عبدالفتاح بكلمة نوه فيها بما بلغه المغرب من طفرة نوعية في دينامية الإعاقة، معتبرا أن الفن الدامج صار رافعة حقيقية لا مجرد شعار يزين البروشورات، تلاه رئيس الجمعية عبد العزيز خودالي فرحب بالحضور وأبرز دور الجمعية في تكريس ثقافة الإدماج عبر الإبداع، ثم توالت المداخلات تصب في بحر واحد، مداخلة الاخصائي النفسي الإكلينيكي عبد الإله لحسن ليضع الإطار المفاهيمي للفن الدامج، مبينا أنه ليس ممارسة ترويحية هامشية، إنما توجه وجودي يقوم على إشراك الأشخاص في وضعية إعاقة كفاعلين مبدعين يتصدرون المشهد لا يقبعون في كواليسه، وتلته الأستاذة جليلة مراوحي فأبرزت الدور المحوري للمؤسسة التعليمية، معتبرة أن إدماج الفن داخل المدرسة يشكل مدخلا عمليا لتنمية الكفايات وتعزيز التعبير عن الذات لدى المتعلمين الذين طالما أهمشت أصواتهم، أما الأستاذة المفتشة بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة حبيبة عبو فقاربت الموضوع من زاوية حقوقية مغايرة، شددت فيها على أن الإعاقة لا ينبغي أن تفهم كحالة فردية قاصرة، هي ناتج لتفاعل اجتماعي مع بيئة غير مهيأة، مما يجعل من الفن وسيلة فعالة لتفكيك الصور النمطية المعتقة وتعزيز الإشراك الحقيقي، ونخص بالذكر أيضا وقفة الدكتور لهبوب عماد، إذ توقف عند الأبعاد النفسية والاجتماعية للفن، فبين دوره في تنظيم الانفعالات التي تعصف بهم، وتقوية الثقة بالنفس المهشمة، وتنمية مهارات التواصل والاستقلالية التي كثيرا ما تسلب بالقهر الاجتماعي، وقدم كل من الدكتور الخيروني عبد الحق والدكتورة سمية فتحي رؤية تربوية حديثة دعوا من خلالها إلى اعتماد مقاربات تشاركية توظف الفن والتكنولوجيا معا، وتضع المتعلم في صلب العملية التعليمية لا على هامشها، وانتهت الجلسة بجملة من التوصيات العملية المنتقاة بعناية، إدماج الفن الدامج في المناهج التعليمية فعليا، وتأهيل الأطر التربوية والفنية، وتهيئة المؤسسات والفضاءات لتكون واجبة الولوج لا بتلك العوائق الصارخة، وتغيير التمثلات المجتمعية عبر دعم الأنشطة المشتركة وإبراز الإبداعات في الفضاء العام والإعلام، وتعزيز الشراكات بين المدرسة والجمعيات والمؤسسات الثقافية، وفي الثانية عشرة ظهرا من اليوم نفسه، انطلقت الجلسة الثانية لعرض التجارب الدولية، فكانت فرصة ثمينة للاستماع إلى خبراء من المملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية وسلطنة عمان والسنغال واليمن، كل يروي تجربته في دمج الفن وسيلة لتمكين ذوي الإعاقة، تنوعت الرؤى واتحدت الغايات، فكان المشهد مؤكدا أن قضية الإدماج لم تعد شأنا محليا، هي هم إنساني تتقاسمه الأمم دون استثناء.
وجاء الخميس السابع من ماي ليكون موعدا مع المائدة المستديرة التي أدارها الخبير في مجال الإعاقة ذ كريم الشرقاوي و المقرر سعيد موزك في المركز ذاته، تحت عنوان “المقاولة الفنية والتمكين الاقتصادي للشباب في وضعية إعاقة”، فقد أدرك المنظمون أن الموهبة وحدها لا تطعم خبزا، وإنما تحتاج إلى عروق تمتد في أرض الاقتصاد الواقعي، فكانت المداخلات كالعقد المنظوم لا ينقصها سوى نظام، افتتحها الأستاذ يوسف سحمود بمداخلة قيمة عن الإعلام والمتلقي ومدى فعالية الأول في تقليص الصور النمطية، فتوقف مليا عند دمج الرأسمال البشري في المقاولات، مبينا أن الإعلام إذا أحسن توظيف قدرته على التشكيل والتوجيه، استطاع أن يقتلع من اللاوعي الجمعي تلك الصور الدونية التي صاحبت الأشخاص في وضعية إعاقة لعقود خوالي، وأتى بعده الأستاذ عمر غريشي ليفرق بين ثلاثة مفاهيم تخالط على كثيرين، المقاولة الفنية التي تعنى بإنتاج الأعمال الإبداعية بأنواعها، والمقاولة الثقافية التي تدير التراث والخدمات الثقافية، والمقاولة الاجتماعية التي تهدف إلى حل إشكالية مجتمعية قبل التفكير في الربح المادي، وتوقف عند مميزات المقاولة الفنية إنها الوحيدة القادرة على المزاوجة بين التعبير الحر عن الذات والاستدامة المالية إذا أحسن القائمون عليها تسييرها، ثم جاءت الأستاذة سعاد البكوري عن التسويق الثقافي والرقمي وعن الهوية البصرية التي تشكل واجهة أي مشروع ناجح، داعية الشباب إلى العناية بصورتهم أمام العالم وعدم الاكتفاء بالموهبة الخام، وأخيرا اختتم الأستاذ محمد حداني المائدة بمداخلة حول إدارة الموارد البشرية والفنية في المشاريع الثقافية، محذرا من الفوضى التي تصيب كثيرا من المشاريع الفردية، مشجعا على تأسيس فرق عمل تراعي خصوصية كل فرد وتستثمر اختلافاته لا تلغيها، ليخرج الحضور من تلك المائدة وهم يحملون فكرة ألا وهي ان الموهبة وحدها لا تكفي، تحتاج إلى من يبيعها للناس بأسلوب يجعلهم يتعلقون بها، وتحتاج إلى من يديرها بعقلانية تحفظ لها استمرارها.
ثم تبعتها زيارة الوفود المشاركة إلى مجلس المستشارين وإلى أبرز المعالم السياحية بالرباط، في رسالة ضمنية أن الإدماج لا يقتصر على المسارح وقاعات الندوات، يجب أن يمتد إلى المؤسسات التشريعية والشوارع العامة والأسواق والمقاهي.
وفي يوم السبت التاسع من ماي، كان الموعد مع ندوة مؤسساتية راقية حملت عنوان “الحق في إرساء حق الولوج للثقافة والفن والإبداع”، أدارها الخبير في التنمية البشرية الأستاذ إيدير اكيندي بروح من يطوي المسافات، لم يعد الحديث فيها عن التشريعات النظرية الجامدة، إنما عن آليات الترافع العملية، وعن كيفية تحويل النصوص الدستورية والاتفاقيات الدولية إلى واقع معاش يلمسه الإنسان البسيط في يومه، تحدث اكيندي بلغة الخبير الذي خبر عوالم السياسات العمومية، حاثا المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني على العمل بتكامل شديد، واصفا الجمعيات المنعزلة التي تكافح وحدها بأن كفاحها يبقى ناقصا ما لم تسنده سياسات عمومية واعية تعترف بالثقافة كحق من حقوق الإنسان الأساسية لا ككمالية ترفيهية، لكنه لم يخرج عن جوهر الرسالة الموجز، أن من يحرم من الثقافة يحرم من نصف حياته، وأن الدولة ملزمة بتذليل العقبات لا بالمن على المواطنين بعطايا مبتورة.
صفوة الكلام، وفي أمسية السبت ذاتها، عادت الأنظار إلى الرباط، إلى المسرح الوطني محمد الخامس، حيث اختتمت الدورة السابعة عشرة في حفل بهي تخللته فقرات فنية، لكن ما سيظل عالقا في سويداء القلب هو عروض الأشخاص في وضعية إعاقة أنفسهم، أولئك الذين تحولوا من موضوع للرثاء إلى فاعلين على الخشبة، كانوا هم النجوم الحقيقيين لا مجرد ضيوف شرف يزينون هامش الصورة، أحيت السهرة الفنانة هند النعيرة بأغان كناوية أخذت بالألباب، وتقدمت مجموعة ياسر الشرقاوي بعروض في الفن العيساوي ذات نكهة روحانية نادرة، وخلال الحفل، أعلن رئيس الجمعية عبد العزيز خودالي عن تجديد الثقة به بالإجماع رئيسا للمكتب الوطني والمجلس الوطني للجمعية، تقديرا لجهوده الكبيرة في تطوير المهرجان وإشعاعه،
هكذا أسدل الستار على سبعة أيام كانت أعمق أثراً من كثير من الأعوام، خرج من هذا المهرجان يقين جديد، أن الفن ليس متنفسا عابرا، هو أداة وجودية تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان وعجزه، بين الذات والآخر، بين الرغبة في الظهور والخوف من الرياء، ليس المهم أن نحتفل بالمواهب المكتملة، المهم أن نصنع منصة دائمة لا ترحل، وها هي البشرى التي تهمس بها كواليس هذه التظاهرة، أن الدورة المقبلة لن تحمل فقط برنامجا، بل ميلاد هيئة مؤسساتية جديدة، تحمل اسم المهرجان الدولي للأشخاص في وضعية إعاقة، لتكون هيكلا دائما لا يستكين للزوال، ولا يرضى بالعرضية، سيتحول هذا المهرجان من حدث سنوي إلى كيان قار، يخطو على أرضية من التشريع والاستمرار، ليضمن ألا تنقطع النغمة، وأن تظل قضية الإدماج قضية حياة لا موسم عابر، ذلك هو الوعد الذي يخرج به كل من شهد هذه الأيام، ذلك هو الطريق الذي يجعل من التنوع قوة، ومن الفن أداة بناء لا مجرد متعة عابرة، والمغرب، بأصالته وحاضره المتجدد، خليق أن يكون منطلق هذه المؤسسة الإنسانية التي تعانق القارات، وتؤكد أن الإنسان، أي إنسان، حين يُمنح الضوء، يضيء كل ما حوله.