الألباب المغربية/ ياسيــن كحلـي*
يشكل صدور العدد 7496 من الجريدة الرسمية بتاريخ 02 أبريل 2026 منعطف هام في تاريخ العدالة الجنائية المغربية، بحيثأن بين صفحاته نشر القرار المشترك رقم 506.26 الذي يحدد مصاريف تدبير “القيد الإلكتروني”، معلنا بذلك التدشين الفعلي لورش “العقوبات البديلة” .. هذا الورش الذي لا ينبغي قراءته كإجراء تقني لتقليص أعداد السجناء فحسب، بل هو إعادة صياغة للعلاقة بين الجريمة والمجتمع وفق مقتضيات قانونية توازن بذكاء بين الحقوق الفردية والالتزامات المالية.
- المرجعية القانونية
لقد جاء هذا القرار المشترك تنفيذا لمقتضيات المادة الثالثة والثلاثون من المرسوم رقم 2.25.386المتعلق بتحديد كيفيات تطبيق العقوبات البديلة والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 7431 بتاريخ (18 غشت 2026)، وهي المادة التي وضعت حجر الزاوية لمبدأ “المساواة أمام البدائل العقابية”. كيف ذلك؟
فالمشرع؛ وعيا منه بكلفة التكنولوجيا العالية، أقر قاعدة ذهبية مفادها أن الدولة تتحمل الأصل في النفقات ويشمل هذا التحمل اقتناء الأجهزة، تطوير الأنظمة المعلوماتية، المراقبة الآنية وإدارة مراكز التتبع.
هذا التوجه لم يأتِ من فراغ، بل هو انحياز صريح للفئات الاجتماعية الهشة من أجل ضمان ألا تتحول “العقوبات البديلة” إلى امتياز حصري لمن يملك القدرة على الدفع. فالهدف الاجتماعي هو منع الإقصاء وضمان أن يستفيد المحكوم عليه من فرصة الإصلاح داخل محيطه الأسري والمهني، بغض النظر عن وضعه المادي.
- قراءة في القرار المشترك
إن تحديد مبلغ 70 درهما كحد أقصى عن كل يوم تنفيذ بموجب القرار المشترك والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 7496 بتاريخ (02 أبريل 2026)، يحمل دلالات هامة؛ أولاها أن المشرع وضع سقفا وليس سعرا ثابت .. هذه العبارة تمنح المحكمة سلطة تقديرية واسعة لـ “تفريد العقوبة ماليا” أيضا؛ حيث يمكن للقاضي، بناء على البحث الاجتماعي ومستوى دخل المحكوم عليه، أن يحدد مبلغا رمزيا أقل من السقف المعلن، أو يقرر الإعفاء التام.
إن المقاربة المغربية هنا تتقاطع مع نظيرتها في التشريع المقارن، خاصة النموذج الفرنسي؛ حيث نجد أن المادتين R. 622-1 و R. 622-2 من قانون السجون الفرنسي تضعان الإطار التقني والمالي الدقيق للمراقبة الإلكترونية، كما اشارت إليهما المادة R57-11 من قانون المسطرة الجنائيةالفرنسي.
فبينما تقر المادة R. 622-1 بمسؤولية الدولة في تأمين المعدات، تحيل المادة R. 622-2 على قرار لوزير العدل لاعتماد تفاصيل النظام، وهو ما ينسجم تماما مع التوجه المغربي في إناطة التفاصيل المادية بموجب قرار مشترك بين السلطتين الحكوميتين الأولى تمثل في وزارة العدل والثانية في وزارة الاقتصاد والماليةوهو قرار يتصف المرونة خدمة للعدالة .
- تحديات التنفيذ وحكامة المؤسسات
إن نجاح هذه التجربة، تظل رهينة بتناغم ثلاثي الأبعاد بيـــن:
- وزارة العدل: باعتبارها الجهة المشرفة على السياسة الجنائية وتوفير الإطار القانوني.
- وزارة الاقتصاد والمالية: لضمان استدامة التمويل وتحصيل المساهمات كديون عمومية.
- المندوبية العامة لإدارة السجون: كجهة تقنية وميدانية تشرف على عملية التتبع والالتزام.
هذا التكامل يضمن أن القيد الإلكتروني سيساهم في ترشيد النفقات العمومية على المدى الطويل؛ فتكلفة إيواء سجين داخل المؤسسة السجنية – تغذية، حراسة، تطبيب … – تفوق بكثير كلفة المراقبة الإلكترونية، خاصة حين يساهم المحكوم عليه الميسور في جزء من هذه التكاليف.
وختام القول هنا؛بإن الانتقال إلى “القيد الإلكتروني” هو إقرار بأن السجن يجب أن يكون الملاذ الأخير، ومن خلال الضوابط التي جاء بها القرار المشترك، نجد أنفسنا أمام نص قانوني إنساني بامتياز،بحيث يحافظ على الروابط الاجتماعية للمحكوم عليه ويجنبه وصمة السجن في الجرائم البسيطة، وفي الوقت ذاته يحفظ هيبة الدولة وقوة القانون من خلال رقابة تكنولوجية لصيقة.
إننا أمام نموذج مغربي رائد، استطاع في نص قانوني واحد أن يجمع بين صرامة الردع وحداثة التكنولوجيا ونبل العدالة الاجتماعية، مؤسسا بذلك لعهد جديد تكون فيه العقوبة وسيلة للبناء لا للهدم.
* مستشار قانوني وباحث في العلوم القانونية