الألباب المغربية/ نادية عسوي
ليست كل المواعيد تتشابه؛ فبعضها يسكن الذاكرة قبل أن تُعلنه التواريخ، ويستيقظ في القلوب قبل أن تستيقظ الأيام. وما إن يلوح موسم مولاي عبد الله أمغار في الأفق، حتى تفتح الذاكرة المغربية خزائنها على مشاهد لا تشيخ: خيام تمتد حيث ينتهي البصر ولا تنتهي الحكاية، وفرسان يتهيؤون لعروض التبوريدة كأنهم يتهيؤون للقاء التاريخ نفسه، وزوار يشدون الرحال من كل الجهات في رحلة تتجدد كل عام. تتبدل الوجوه وتبقى الحكاية واحدة؛ حكاية موسم وُلد من رحم التاريخ، واستمر لأن الناس، جيلًا بعد جيل، أبوا إلا أن يحملوه في قلوبهم قبل أن يحملوه على ألسنتهم.
- من هو مولاي عبد الله أمغار؟ ولماذا ارتبط اسمه بتيط ؟
قبل أن يغدو اسمه عنوانًا لواحد من أكبر مواسم المغرب، كان مولاي عبد الله أمغار إنسانًا اختار طريق العلم والصلاح، فترك في تاريخ دكالة وفي الحياة الدينية والعلمية للمغرب أثرًا أعمق من أن تمحوه القرون.
هو أبو عبد الله محمد بن إسحاق أمغار، أحد أعلام الأسرة الأمغارية التي اقترن اسمها بالعلم والتصوف، والتي اتخذت من رباط تيط موطنًا ومنارة، يقصدها طلاب العلم والمريدون من كل صوب. وتذكر المصادر أنه عاش خلال القرن الثاني عشر الميلادي، زاهدًا ورعًا، ناشرًا للعلم، مصلحًا لمجتمعه، حتى صار رباط تيط في عهده قبلةً يؤمّها الناس طلبًا للمعرفة والمشورة والتربية الروحية. وكأن الرجل أدرك، بحدسِ الصالحين، أن ما يُبنى في الأرواح أبقى مما يُبنى بالحجارة.
ولم يكن اختيار تيط ضربة حظ ولا مصادفة عابرة. فهذه المدينة العريقة، الرابضة على الساحل الأطلسي جنوب مدينة الجديدة، كانت تُعرف قديمًا باسم تيطنفطر أو تيط، وهي كلمة أمازيغية يُرجَّح أن معناها «النبع» أو «العين الجارية»؛ وأي اسم أصدق من نبعٍ لمكانٍ ظل قرونًا يروي أرواح قاصديه؟ نشأت تيط في الأصل رباطًا يجمع بين حراسة الثغور ونشر العلم والدعوة، في زمنٍ كانت المنطقة تمور فيه التحولات السياسية والدينية. ثم ازدهرت المدينة وعلا شأنها، قبل أن تنحسر أهميتها بعد الغزوات البرتغالية، فلم يبقَ من مجدها إلا آثار رباطها، وضريح مولاي عبد الله أمغار، وذاكرة جماعية أبت أن تسلّم المكان للنسيان.
ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أن الزمن، وهو الذي يمحو كل شيء، عجز عن محو اسم تيط. تهاوت الأسوار، وتبدلت المعالم، وظل اسم مولاي عبد الله أمغار نابضًا في وجدان المغاربة، يتحول الضريح معه إلى مقصد للزائرين، ثم إلى موسم سنوي يلتقي فيه الديني بالتراثي بالثقافي. وهكذا يقف هذا المكان، منذ أكثر من تسعة قرون، شاهدًا على حقيقة بسيطة وعميقة: أن ما تحفظه القلوب لا تطاله يد الفناء.
- كيف نشأ موسم مولاي عبد الله أمغار؟
لم يولد هذا الموسم بقرار، ولم يكن في بداياته مهرجانًا ولا تظاهرة كما نعرفها اليوم؛ إنما نبت نباتَ الأشياء الأصيلة، من عادةٍ توارثها الناس جيلًا عن جيل، كما تتوارث الأنهار مجاريها. فبعد رحيل الولي الصالح مولاي عبد الله أمغار، ظل ضريحه مقصدًا للزائرين وطلبة العلم وعابري السبيل، يقفون عنده للترحم عليه، واستحضار سيرته، واستعادة ما عُرف به من علم وصلاح؛ وكأن الزيارة كانت، في عمقها، حوارًا متجددًا بين الأحياء ومن سبقهم على درب النور.
ومع تقادم الأيام، تحولت تلك الزيارات الفردية المتناثرة إلى موعد سنوي جامع، يلتقي فيه سكان دكالة والقبائل المجاورة، يجددون صلتهم بالمكان ويحيون ذكرى واحد من أبرز أعلامه. ولم تلبث المناسبة أن تجاوزت بعدها الديني إلى أبعاد اجتماعية واقتصادية؛ فصارت فرصةً للقاء العائلات، وتبادل السلع، وعقد الصفقات، وإحياء الفنون الشعبية، في زمنٍ كانت فيه المواسم تقوم مقام المدن الكبرى اليوم: تجمع الناس، وتنقل الأخبار، وتوزع المنافع. وفي ذلك درسٌ صامت: أن الروحانية الصادقة لا تعزل الناس عن حياتهم، بل تجمعهم عليها.
وعلى امتداد القرون، اتسع الموسم عامًا بعد عام، وتقاطرت عليه قبائل من مختلف أنحاء المغرب، وفي طليعتها فرق الفروسية التقليدية، حتى غدا موسم مولاي عبد الله أمغار واحدًا من أكبر المواسم التراثية بالمملكة؛ فضاءً تتعانق فيه الروحانية والتراث الشعبي والفروسية والتجارة والاحتفال، دون أن ينفصم يومًا عن ذاكرة المكان وصاحبه، وكأن كل صهيل خيلٍ فيه تحيةٌ متجددة لذلك الرجل الذي بدأت الحكاية عنده.
ومع اقتراب انطلاق دورة هذه السنة، تستعد مدينة الجديدة وجماعة مولاي عبد الله لاستقبال عشرات الآلاف من الزوار الذين سيحجون إلى هذا الموعد التراثي العريق من مختلف جهات المملكة، فيتجدد اللقاء بين المكان وأهله، وبين الحاضر وذاكرته.
وأملنا أن تكون هذه الدورة استثنائية بكل المقاييس؛ لا بما ستزخر به من عروض الفروسية والأنشطة المتنوعة فحسب، بل بحسن التنظيم وجودة الاستقبال أيضًا، حتى يمر الموسم في أجواء آمنة يسودها النظام والطمأنينة، بعيدًا عن الحوادث ومختلف مظاهر الاعتداء أو الفوضى؛ فالفرح الحقيقي لا يكتمل إلا حين يطمئن الناس على أنفسهم وذويهم.
ونتطلع إلى أن تحظى راحة الزوار بالعناية التي تليق بهم وبالمكان: ماءٌ صالح للشرب في متناول الجميع، ودورات مياه كافية نظيفة، وطرق وممرات مهيأة، ومراقبة صارمة لجودة الأطعمة المعروضة، ضمانًا لسلامة الجميع. ومن الإجراءات الوقائية التي نرجو أن تنال نصيبها من الاهتمام، تنظيف الفضاءات المخصصة للخيام والزوار من الأحجار والأعشاب والشجيرات اليابسة، درءًا لمخاطر لسعات العقارب والزواحف، التي يشتد خطرها في فصل الصيف؛ فالضيافة الحقة تبدأ من التفاصيل الصغيرة التي لا يراها الزائر إلا حين تغيب.
ولأن الموسم واجهة حضارية تعكس صورة المنطقة وأهلها، فإن الحفاظ على نظافة الفضاءات مسؤولية مشتركة لا يُعفى منها أحد. ومن المبادرات الجميلة التي نتمنى أن تجد طريقها إلى التطبيق، تجهيز خيول التبوريدة بأكياس أو حافظات مخصصة لجمع الفضلات أثناء تنقلها في الشوارع والممرات؛ وهو إجراء معمول به في عدد من مدن العالم، يصون نظافة المكان ويحترم الزائر، دون أن ينتقص شيئًا من أصالة هذا التراث العريق؛ فالأصالة لم تكن يومًا نقيضًا للنظافة وحسن التدبير.
وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نرحب بكل زائر اختار أن يشد الرحال إلى موسم مولاي عبد الله أمغار، متمنين له إقامة طيبة بين أهل دكالة، وعودة إلى دياره وهو يحمل أجمل الذكريات عن كرم الضيافة المغربية، وعن موعد سنوي يلتقي فيه التاريخ بالتراث، والأصالة بحسن التنظيم.
ونسأل الله أن تُكلَّل هذه الدورة بالنجاح، وأن تمر في أجواء يسودها الأمن وحسن التدبير، وأن يتعاون الجميع ،سلطاتٍ ومنظمين وفرسانًا وتجارًا وزوارًا ، في المحافظة على نظافة الفضاءات، واحترام النظام العام، وصون هذا الموروث الثقافي الذي ظل، على امتداد القرون، جزءًا لا ينفصل من ذاكرة المغرب وهويته.
أهلًا وسهلًا بكم في مدينة الجديدة، وأهلًا بكم في ربوع مولاي عبد الله أمغار، حيث يلتقي عبق التاريخ بصهيل الخيل، وتتعانق أصالة التراث المغربي مع كرم الضيافة. نرجو أن تعودوا إلى دياركم محمّلين بذكريات لا تبهت، وأن تبقى هذه الدورة صفحة مشرقة تُضاف إلى سجل هذا الموسم العريق، ليظل فضاءً للفرح والتلاقي والاعتزاز بتراثنا الوطني؛ فبعض الأماكن لا نزورها فقط. بل تسكننا كما نسكنها.