الألباب المغربية / محمد عبيد
في واقعة تثير أكثر من علامة استفهام، وجد ثمانية من عناصر الأمن الخاص العاملين بمستشفى 20 غشت بمدينة أزرو أنفسهم، يوم الخميس 2 يوليوز 2026، خارج مقرات عملهم دون إشعار مسبق، بعدما جرى تعويضهم بعناصر جديدة في ظروف غامضة، ودون أي وثيقة رسمية تفسر القرار أو تحدد الجهة التي أمرت به.
المعنيون بالأمر يقولون إنهم لم يتوصلوا لا بقرار إداري، ولا بتبليغ قانوني، ولا حتى بتوضيح مكتوب من إدارة المستشفى أو من الشركة المشغلة save.business، بل إنهم فوجئوا فقط، عند التحاقهم المعتاد بمقر العمل، بأن مهامهم انتهت عمليًا، وأن مكانهم شُغل بآخرين. وعندما طالبوا بتفسير، قيل لهم، وفق روايتهم، إن خدماتهم “تم الاستغناء عنها”، في استخفاف واضح، حسب تعبيرهم، بحجم الضرر الذي لحقهم.
لكن أصل القضية، كما يرويه العمال الذين أدوا مهمتهم بهذا المستشفى ما يناهز 10 سنوات، لا يبدأ من هذا اليوم فقط، بل يعود إلى 11شهرا من الآن، ذلك حين تم استدراجهم، حسب وصفهم، إلى توقيع وثيقة إبراء ذمة لفائدة الشركة المشغلة، تحت وعود مطمئنة بأن وضعهم المهني سيُسوّى، وأن استمرارهم في العمل مضمون، بل إن الإدارة ــ وفق روايتهم ــ أقنعتهم بأن الانتقال إلى شركة جديدة سيحسن شروط تشغيلهم وأجورهم. غير أن ما وعدوا به لم يحدث، وما قيل لهم إنه ضمانة، تحوّل اليوم إلى أداة لإقصائهم من العمل.
الأخطر في الملف، بحسب ما يدلي به ممثل المستخدمين، أن الشركة رفضت صرف أجورهم الشهرية إلى أن يوقعوا على الإبراء، ما وضعهم أمام ضغط مباشر لا يترك لهم سوى خيارين: التوقيع أو الحرمان من الأجر.
وهنا تبرز الشبهة الأولى: كيف يمكن ربط الأجر، وهو حق مكتسب، بالتنازل عن باقي الحقوق؟ ومن منح الشركة أو الإدارة حق تحويل الرواتب إلى وسيلة ابتزاز ناعم؟
وحين توجه العمال إلى مديرة المستشفى للاحتجاج، فوجئوا برد أكثر إثارة للريبة: الشركة، كما قيل لهم، أنهت مهامها، لكنه تبين بعد ذلك أن الشركة قد استفادت من bon de commande، ما يطرح سؤالًا عريضًا حول من كان يراقب هذا المسار، ومن سمح باستمرار وضع قانوني وإداري يبدو، في ظاهره، متشابكًا، وفي باطنه، ملتبسًا ومفتوحًا على التأويل.
المعطيات التي حصل عليها المتضررون تذهب أبعد من ذلك. فالمديرة، بحسب شهادتهم، طلبت منهم توقيع إبراء ذمة مقابل صرف الأجور المتأخرة وتعويض العطلة السنوية المحدد في 2000 درهم، غير أن الصيغة التي وُضعت أمامهم لم تكن، حسب قولهم، مجرد تسوية مالية، بل تنازلًا شاملًا عن كافة الحقوق، بما فيها تلك التي قد تكون موضوع نزاع أمام مفتشية الشغل.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: هل كان المطلوب تسوية وضعية العمال، أم إسقاط أي إمكانية لمطالبتهم بحقوقهم لاحقًا ؟
ويؤكد المتحدث باسمهم أن المديرة سبق أن وعدتهم بتشغيلهم ضمن الشركة الجديدة، في ظروف أفضل وأجر أحسن، غير أن هذا الوعد تبخر بالكامل، ليجدوا أنفسهم خارج الخدمة، وخارج الوعود، وخارج أي حماية فعلية.
ما حدث، في نظرهم، ليس مجرد إخفاق في التواصل أو سوء تفاهم إداري، بل مسار كامل يوحي بأن الترتيبات جرت فوق رؤوسهم، وأن دورهم اقتصر على توقيع أوراق لم يدركوا مآلاتها إلا بعد فوات الأوان.
وفي خضم هذا الجدل، حاولت الصحافة المحلية الاستماع إلى رواية إدارة المستشفى والشركة المعنية، غير أن الأبواب ظلت موصدة.
المديرة لم تكن بمقر عملها، بحسب ما أفاد به مراسلون بالمدينة، والشركة save.business، التي يوجد مقرها بمدينة تطوان، لم ترد على الاتصالات الهاتفية أو عبر تطبيقات التراسل لمراسلين آخرين، وكأن الملف، بكل ما يحمله من أسئلة محرجة، يُراد له أن يمر في صمت.
هذا الصمت تحديدًا هو ما يزيد الواقعة ثقلاً.. فحين تغيب الوثائق، ويختفي الرد الرسمي، ويُستبدل العامل دون محضر واضح، وتُربط الأجور بإبراء الذمة، لا يعود الأمر مجرد نزاع مهني عابر، بل يصبح ملفًا يستدعي التحقيق في كيفية تدبير الصفقات داخل مؤسسة صحية عمومية، ومن المستفيد من هذا الالتباس، ومن يتحمل مسؤولية ما لحق بهؤلاء العمال من خسارة مهنية ومادية.
ويبقى السؤال الأكبر معلقًا: هل نحن أمام خطأ إداري معزول، أم أمام نمط في التدبير يسمح بتصفية الحقوق بهدوء، عبر وعود مؤجلة وتواقيع ملغومة وإجراءات لا يراها العامل إلا حين يصبح خارج باب المؤسسة ؟