الألباب المغربية/ مروة محمد
قال الخبير الإيطالي البارز دانييلي روفينيتي إن ليبيا عادت إلى صدارة الأجندة الدبلوماسية بين روما وواشنطن، في ظل تقاطع متزايد للمصالح المرتبطة بالطاقة والأمن واحتواء النفوذ الروسي، ما يدفع إيطاليا والولايات المتحدة نحو بلورة استراتيجية مشتركة تجاه ليبيا، والتي لا تزال تعاني هشاشة سياسية وأمنية، رغم تنامي أهميتها الجيوسياسية.
وأوضح روفينيتي، في تحليل نشره موقع “بريما باجينا نيوز” التابع لوكالة البنية التحتية الإيطالية، أن الملف الليبي برز خلال اللقاء الذي جمع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في قصر كيجي بالعاصمة روما، حيث أشارت ميلوني إلى أهمية استقرار ليبيا ضمن الملفات التي ناقشها الجانبان، في خطوة تعكس تحولًا تدريجيًا في مستوى الاهتمام الأمريكي بالملف الليبي، بعد سنوات من الانخراط المحدود وترك إدارة معظم القضايا المرتبطة بليبيا للأوروبيين وشركاء إقليميين.
ويأتي ذلك في وقت تكثف فيه روما تحركاتها السياسية والاقتصادية تجاه ليبيا. ففي الأيام الماضية، تزامنت زيارة رئيس حكومة الوحدة الليبية عبد الحميد الدبيبة إلى العاصمة الإيطالية مع مغادرة منشأة طاقة مخصصة للحقول البحرية الليبية ميناء رافينا الإيطالي باتجاه ليبيا، في مؤشر على الترابط المتزايد بين التحركات الدبلوماسية والمصالح المرتبطة بالطاقة.
وبحسب روفينيتي، فإن هذا التحرك يعكس تحولًا متزايدًا في المقاربة الإيطالية والأمريكية تجاه ليبيا.
واستعرض روفينيتي في هذا الصدد هذه الملفات:
**ملف الطاقة
قال روفينيتي إن هذا الملف عاد ليصبح محورًا أساسيًا في ظل التوترات المرتبطة بمضيق هرمز.
وفي سياق يتسم بتصاعد التوترات الإقليمية وعدم اليقين بشأن مسارات الملاحة العالمية، عاد الغاز الليبي وخط أنابيب «
جرين ستريم ليكتسبا بالنسبة لإيطاليا قيمة استراتيجية تتجاوز حدود التعاون التجاري، إذ باتت روما تعتبر استقرار ليبيا جزءًا من أمنها القومي في مجال الطاقة.
وفي هذا الإطار، تشير تقديرات متداولة خلال الأسابيع الأخيرة إلى أن الولايات المتحدة تدعم مسارًا يقوم على تحقيق تفاهمات بين مراكز القوى الليبية المختلفة، بهدف الدفع نحو استقرار عملي للبلاد.
وبدلًا من التركيز على انتقال سياسي سريع، تبدو واشنطن أكثر اهتمامًا بترسيخ توازن مستقر يضمن أمن الطاقة، ويحد من النفوذ الروسي، ويحتوي حالة عدم الاستقرار المتصاعدة في منطقة الساحل.
**أربعة أبعاد استراتيجية
عادت ليبيا لتحتل موقعًا مركزيًا في أربع دوائر استراتيجية رئيسية تشمل الطاقة، وأمن البحر المتوسط، واحتواء النفوذ الروسي في أفريقيا، إضافة إلى الامتداد نحو منطقة الساحل، التي تمر بمرحلة جديدة من الفوضى مع تصاعد خطر تحولها إلى معقل للتنظيمات المتطرفة.
وفي هذا السياق، تبدو إيطاليا بصورة متزايدة الطرف الغربي الأكثر حضورًا وتأثيرًا في الساحة الليبية، بالنظر إلى ما تمتلكه من علاقات سياسية عميقة وحضور اقتصادي راسخ، فضلًا عن كونها الأكثر تأثرًا بتداعيات عدم الاستقرار، سواء على مستوى الطاقة أو الهجرة أو الأمن الإقليمي.
كما تحظى روما، بحسب تقديرات سياسية، بصورة مقبولة لدى الأطراف الليبية، كما هو الحال لدى عدد من المجتمعات الأفريقية، وهو ما يمنحها وزنًا إضافيًا في حوارها المستمر مع واشنطن، ضمن مسار يشمل أيضًا تركيا، التي أصبحت بدورها أحد أبرز الفاعلين الراسخين في ليبيا.
**”فلينتلوك 2026″ والتوازن الممكن
وعلى المستوى الأمني، برزت مؤشرات جديدة خلال شهر أبريل الماضي، إذ شاركت قوات أمريكية وإيطالية، للمرة الأولى منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، في مناورات برية داخل ليبيا ضمن تدريبات “فلينتلوك 2026” التي تقودها القيادة الأمريكية في أفريقيا.
وخلال الفترة نفسها، شاركت قوات مرتبطة بالأطراف الليبية المتنافسة في أنشطة تدريبية مشتركة، في خطوة اعتُبرت مؤشرًا على محاولة بناء حد أدنى من التنسيق بين مختلف القوى المسلحة في البلاد.
ورغم ذلك، فإن هذه التطورات لا تعني أن ليبيا باتت قريبة من تجاوز حالة الانقسام. فالبلاد لا تزال منقسمة بين الشرق والغرب، وتعاني انتشار الجماعات المسلحة والتدخلات الخارجية وضعف المؤسسات.
إلا أن هذه الهشاشة نفسها، بحسب روفينيتي، تدفع اليوم إيطاليا والولايات المتحدة نحو تبني مقاربة أكثر براغماتية.
ولا يبدو أن الهدف يتمثل في التوصل إلى حل نهائي للأزمة الليبية الممتدة منذ سنوات، بقدر ما يتمثل في بناء توازن مستقر نسبيًا يحظى بقبول دولي، بما يضمن حماية المصالح المرتبطة بالطاقة، واحتواء الضغوط الناتجة عن الهجرة، ومنع تحول وسط البحر المتوسط إلى ساحة إضافية لنفوذ قوى منافسة.