الألباب المغربية/ عبد العزيز الخطابي
“عندما يصل الغراب إلى قمة الجبل، يغادرها النسر؟ ليس ضعفًا منه، بل لأنه أدرك أن القمة لم تعد قمة.”
ليست هذه العبارة مجرد استعارة عن الطيور، بل هي وصف دقيق لفلسفة القوة. فالقوة الحقيقية لا تتحدد بمن يقف في المكان الأعلى وإنما بمن يمتلك القدرة على إعادة تعريف معنى “العلو”. فهناك من يعتبر الوصول إلى القمة نهاية الرحلة. وهناك من يرى أن القمة ليست سوى محطة في طريق لا ينتهي.
هذه هي الفجوة بين من يعيش على ردود الأفعال ومن يصنع الأفعال نفسها.

في السياسة كما في الحياة لا تُقاس قيمة الدول بارتفاع صوتها، ولا بعدد خصومها، ولا بقدرتها على خوض المعارك الكلامية.. بل تُقاس بقدرتها على تحويل الزمن إلى حليف والجغرافيا إلى فرصة والأزمات إلى أدوات لبناء المستقبل.
هناك دول تبني مشروعها الوطني وهناك دول تبني مشروعها على معارضة الآخرين. الأولى تصنع التاريخ والثانية تكتفي بالتعليق عليه.
إن الفيلسوف الألماني هيغل كان يرى أن التاريخ لا يتحرك وفق رغبات الأفراد، بل وفق حركة الأفكار الكبرى التي تمتلك مشروعًا للمستقبل. ولذلك فإن الدول التي تحمل رؤية واضحة لا تلتفت كثيرًا إلى الضجيج، لأنها تدرك أن الزمن يعمل لصالح من يملك المشروع لا لصالح من يملك الصوت الأعلى.
ولعل هذا المعنى يفسر جانبًا من طريقة تعامل المغرب مع كثير من القضايا الإقليمية والدولية، فبدل أن يجعل من كل استفزاز معركة أو من كل خطاب أزمة. اختار في محطات عديدة أن يركز على بناء أدوات القوة: الاستثمار، البنية التحتية، الدبلوماسية، الانفتاح الاقتصادي، تنويع الشراكات وتعزيز حضوره في محيطه الإفريقي والدولي.
قد يختلف المراقبون في تقييم السياسات، لكنهم يتفقون على أن الدولة التي تنشغل كل يوم بالرد على خصومها، تستهلك طاقتها في معارك لا تبني مستقبلًا. أما الدولة التي تجعل أولويتها بناء المؤسسات والاقتصاد والتحالفات، فإنها تترك للزمن مهمة الإجابة.
وهنا تتجلى حكمة النسر… فالنسر لا ينافس الغربان على صخرة لأنه يعرف أن السماء أوسع من أن تختزل في قمة جبل. أما الغراب، فإذا بلغ تلك الصخرة ظن أنه بلغ العالم كله والفرق بينهما ليس في القدرة على الطيران.. بل في اتساع الأفق.
هذه الصورة تختزل أيضًا فلسفة الحضارات.. فالإمبراطوريات التي سقطت لم تسقط لأنها هُزمت في معركة واحدة، وإنما لأنها انشغلت بإثبات قوتها أكثر من انشغالها بتجديد أسبابها. بينما الأمم التي بقيت.. بقيت لأنها كانت تنظر دائمًا إلى القمة التالية.. لا إلى القمة التي تقف عليها.
إن أخطر وهم يمكن أن تقع فيه دولة أو جماعة هو الاعتقاد بأن انتصارًا إعلاميًا. أو موقفًا عابرًا أو ضجيجًا سياسيًا. يعني تغيير موازين التاريخ. فالتاريخ لا يكتبه الانفعال وإنما يكتبه التراكم.. ولا تصنعه الشعارات وإنما تصنعه الإنجازات.
ولهذا، فإن الدول الواثقة بنفسها لا تقيس نجاحها بعدد الخصوم الذين هاجمتهم ولا بعدد البيانات التي أصدرتها.. بل بعدد المشاريع التي أنجزتها والاستثمارات التي جذبتها والعقول التي احتضنتها والمكانة التي راكمتها بصبر.
إن الفارق بين الدولة التي تبحث عن الاعتراف والدولة التي تفرض احترامها.. هو أن الأولى تنتظر شهادة الآخرين، بينما الثانية تجعل إنجازاتها هي الشهادة.
ولذلك، فإن الحكمة التي تبدأ بالغراب والنسر لا تتحدث عن الطيور.. بل عن فلسفتين في الحياة والسياسة… فلسفة ترى المجد في احتلال مكان وفلسفة ترى المجد في تجاوز المكان نفسه.
فالقمة ليست حجرًا فوق جبل، بل فكرة تتجدد كلما ظن الآخرون أنهم وصلوا إليها.
وفي النهاية، يبقى الزمن هو الحكم العادل.. فهو لا يتذكر من رفع صوته أكثر.. بل من ترك أثرًا أعمق ولا يخلّد من خاض كل المعارك.. بل من عرف أي المعارك تستحق أن تُخاض. وأيها يُترك للريح كي تحمل معها ضجيجها إلى النسيان.
فالنسر لا يغادر القمة لأنه خسرها… بل لأنه أدرك أن الأفق الذي ينتظره أعلى من أن يُختزل في جبل وأن العظمة ليست في البقاء فوق القمة، بل في القدرة الدائمة على صناعة قمم جديدة.